فالبردوني لم يكن شاعرا يوثق زمنه فحسب، بل كان يستشرف ما وراءه ويقرأ في قصائده ملامح المستقبل حتى بدت بعض أعماله ومنها يمنيون في المنفى ومنفيون في اليمن وكأنها نبوءة شعرية لواقع يمني مازالت تداعياته حاضرة.
ويستعيد المهرجان للبردوني بوصفه مدرسة شعرية متكاملة صنعت لنفسها أسلوبا متفردا ومبتكرا وجعلت منه كما وصفه المشاركون متنبي العصر تجربة إبداعية لم تستسلم لإعاقته البصرية بل تجاوزتها بقوة البصيرة فكانت قصيدته أكثر نفاذا إلى النفس وأوسع قدرة على التعبير لتتحول دواوينه إلى إرث أدبي شكل ثورة حقيقية في الشعر اليمني والعربي.
ولم يكن البردوني بعيدا عن قضايا وطنه بل جعل القصيدة مساحة للموقف وواجه بشجاعة قضايا سياسية ووطنية لم يكن كثير من الشعراء يجرؤون على الاقتراب منها في زمنه فجمع بين قوة الفن وجرأة المضمون وامتلك حسا تنبؤيا جعله يعرف بمتنبئ اليمن وبينما تغيرت الأزمنة بقيت قصيدته قادرة على عبور الزمن لتؤكد أن شاعرا بحجم البردوني لا يختزل في ذكرى بل يبقى حاضرا كلما احتاج الوطن إلى قصيدة ترى أبعد من اللحظة.
هكذا يستعاد البردوني لا بصفته ذكرى بل سؤالا مفتوحا وقصيدة لم تقلق أبوابها بعد فالشاعر الذي أبصر بعين البصيرة لازال يرى اليمن في زمن تتسع فيه العتمة.