شاركوا هذا الخبر

في ميقات الوجد والذهول.. عرفة معراج القلوب وملاذ المنقطعين - بقلم الإعلامي ميثم ماجد

حين يلبس الزمن رداء القداسة، وتكاد دقائق الساعات تذوب تحت وقار التجلي، يطل علينا يوم عرفة كأنه نافذة من نوافذ العرش فتحت على أهل الأرض. هو اليوم الذي تقف فيه البشرية عارية من زيف ألقابها، متجردة من أثقال دنياها، غارقة في بياض يشبه الكفن في مظهره، ويشبه الفجر في مخبره. في هذا الصعيد الطاهر، لا مفر من الله إلا إليه، ولا مستقر للأرواح إلا في ساحات عفوه التي وسعت كل شيء.

في ميقات الوجد والذهول.. عرفة معراج القلوب وملاذ المنقطعين - بقلم الإعلامي ميثم ماجد

عرفة.. سر المعرفة ومحشر الشوق

في طور عرفة، تعرف الأرواح فقرها المدقع أمام غنى خالقها، وتدرك ضعفها تحت كنف جلاله. هي الوقفة التي تختزل رحلة الوجود. فمن عرف نفسه بالتقصير في هذا اليوم، عرف ربه بالكمال والمغفرة. الزمان هنا يتوقف، والمكان ينكمش ليكون مجرد سجادة صلاة كبرى تضم الملايين، الذين جاءوا من كل فج عميق، يحدوهم أمل واحد: "يا رب.. اصفح".

في عرفات، تشرق شمس التاسع من ذي الحجة لتكشف عن أعظم تظاهرة كونية للحب الإلهي. فالسماء في هذا اليوم تقترب من الأرض أكثر من أي وقت مضى، والملائكة تحف الموقف بأجنحتها، والفيض الإلهي ينصب صباً على القلوب الظمأى، فتتحول الصدور إلى محاريب، والعيون إلى آبار من الدمع المقدس الذي يغسل سواد السنين.

 

نجوى الحسين.. شمس العرفان في هجير الصحراء

وعلى هامة هذا اليوم، يقف التاريخ خاشعاً أمام تلك القامة العظيمة، قامة الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام)، وهو يرسم بكلماته أروع سيمفونية توحيد عرفتها البشرية. في دعاء عرفة، لم يترك الحسين للبلغاء بلاغة، ولا للعارفين معرفة إلا واختصرها في زفرات تبتله. حين نسمعه يهتف في قلب الهجير الحارق: "إلهي أنا الفقير في غناي فكيف لا أكون فقيراً في فقري"، ندرك أننا في حضرة عقل ملكوتي يرى الله في كل ذرة من ذرات الوجود. إن خطاب الحسين (ع) في عرفة ليس مجرد طلب للحاجات، بل هو كشف للغطاء؛ هو رحلة في تشريح نعم الله على الإنسان منذ أن كان جنيناً، واعتراف بالجميل يذيب النفس خجلاً وحياء.

لقد صاغ الحسين في مثل هذا اليوم فلسفة للرؤية، حين قال: "عميت عين لا تراك عليها رقيباً؛ فالحسين في عرفة يعلمنا أن الله ليس غائباً لنبحث عنه، بل نحن الغائبون عن استحضار عظمته. كلماته في ذلك اليوم هي ترياق الأرواح المتعبة، ومنار التائهين في ظلمات الحيرة، حيث جعل من صحراء عرفات مدرسة للأجيال، تعلمهم أن من فقد الله فماذا وجد، ومن وجد الله فماذا فقد؟

 

ترانيم الانعتاق.. كيف يستقبل المؤمنون يومهم؟

بالنسبة للمؤمن، يوم عرفة هو عيد قبل العيد؛ إنه ميقات التحرر من أغلال الذات. تبدأ الروح في التحليق مع بزوغ فجره، ويشعر العبد وكأن ثقلاً يقبع فوق صدره قد بدأ يتلاشى. الصمت في عرفة أبلغ من الكلام، والبكاء أسرع في الوصول من القوافي. في هذا اليوم، يتساوى الملوك والصعاليك، الأغنياء والفقراء، كلهم في صعيد واحد وطلب واحد. إنها اللحظات التي يعيد فيها المؤمن جدولة حياته، ويغرس فيها فسائل التوبة في أرض قلبه التي قد تكون قست بفعل الانشغال بالدنيا. إنه يوم المباهاة، حيث يلتفت الخالق لملائكته قائلاً: "انظروا إلى عبادي، أتوني شعثاً غبراً.. أشهدكم أني قد غفرت لهم". أي كرم هذا الذي يتنزل في بضع سويعات؟!

 

عرفة.. العهد المتجدد

إن يوم عرفة هو جسر العبور من قفر الغفلة إلى واحات الحضور. فليست الوقفة وقفة أجساد على طين جبل، بل هي وقفة أرواح على عتبات رب كريم. فمن لم يشهد عرفات ببدنه، فليشد إليها من رحال قلبه، وليجعل من دمعته إحراماً، ومن ذكره تلبية، وليقف بخياله خلف الحسين في تلك الوهاد، مردداً معه كلمات الوجد الأبدي. عرفة، هو الرحلة التي نعود فيها إلى أنفسنا من خلال الله، والعودة إلى الله هي الغاية التي لا غاية وراءها.

فسلام على يوم عرفة الذي أيقظ فينا الإنسان، وسلام على الحسين الذي علمنا في ذلك الموقف أن منتهى العز في تمام العبودية، ومنتهى الغنى في كمال الافتقار لرب العالمين.

أهم الأخبار

الأكثر مشاهدة