تبدو المنطقة كلها وكأنها واقفة على حافة صمت ثقيل؛ صمت يسبق عادة الانفجار أو الاتفاق، لكن الاتفاق الذي كان يفترض أن يوقع في البيت الأبيض لم يوقع، وردة الفعل المرتقبة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم تصدر بعد، فيما تواصل طهران تثبيت معادلتها الصلبة؛ لا تنازل عن الحقوق، ولا ثقة بالوعود، ولا خطوة قبل خطوة مقابلة.
رسالة محمد باقر قالیباف، رئيس مجلس الشورى الإسلامي ورئيس هيئة التفاوض الإيرانية، جاءت في ثلاث نقاط، لكنها في الحقيقة كانت ثلاثة أعمدة لرؤية استراتيجية كاملة، تعيد تعريف معنى التفاوض في لحظة إقليمية مشتعلة من مضيق هرمز إلى لبنان. هذه النقاط ليست مجرد موقف سياسي، بل إعلان فلسفة تفاوضية جديدة، تدرك أن القوة ليست في الكلمات بل في موازين القوى.
المکاسب تنتزع بالصواريخ لا بالمحادثات
في عالم تتقدم فيه الجيوش قبل الدبلوماسيين، تدرك طهران أن واشنطن لا تصغي إلا حين تشعر بثقل الردع الإيراني. قالیباف لم يكن يبالغ حين قال إن المکاسب تنتزع بالصواريخ؛ فالتجربة الممتدة منذ أربعة عقود تثبت أن كل تقدم سياسي حققته إيران جاء بعد إظهار قدرة لا يمكن تجاوزها. هذه النقطة تفسر لماذا بقيت إيران ثابتة في موقفها من مضيق هرمز. الأمن لا يباع، والسيادة لا تساوم، والممرات المائية ليست هدية تقدم لمن يفرض الحصار.
التفاوض ليس ثقة… بل تفهيم للطرف المقابل
قالیباف وضع إصبعه على جوهر الأزمة؛ غياب الثقة. إيران لا تثق بالضمانات الأمريكية، لا بالتصريحات، ولا بالوعود، ولا حتى بالاتفاقیات التي توقع ثم تنقَض بقرار واحد من البيت الأبيض. لذلك، فإن التفاوض كما يراه، ليس بحثاً عن ضمانات، بل عملية تفهيم؛ تفهيم بأن إيران لن تتراجع، وأن أي اتفاق لا يقوم على الاحترام والالتزام المتبادلين، لن يعيش يوماً واحداً. هذا المبدأ ينسجم مع موقف طهران من وقف الحرب في كل الجبهات، وخاصة في لبنان. السلام ليس منة، بل نتيجة توازن.
المنتصر في الاتفاق هو من يستعد للحرب في اليوم التالي
هذه العبارة ليست شعاراً، بل خلاصة مدرسة سياسية كاملة. إيران لا ترى الاتفاق نهاية الصراع، بل مرحلة من مراحله. ولهذا، فإن أي اتفاق لا يضمن لإيران القدرة على حماية نفسها في اليوم التالي، هو اتفاق هش، بل خطير. في ظل التوتر المتصاعد في مضيق هرمز، والضغوط الأمريكية، والتصريحات المتقلبة من واشنطن، تبدو هذه النقطة أكثر واقعية من أي وقت مضى. فالاتفاق الذي كان يفترض أن يعلن من البيت الأبيض لم يعلن. كما أن طهران لم تجد فيه ما يضمن أمنها، سيادتها، وحقها في الردع.
انعكاس هذه الرؤية على المشهد الإقليمي
إيران، ووفق رؤية قالیباف، لا تبحث عن حرب، لكنها ترفض أن تفرض عليها شروط المنتصر. وهي في الوقت نفسه تصر على وقف الحرب في كل الجبهات، خصوصاً في لبنان، حيث ترى أن استمرار النزيف يخدم مشروعاً واحداً؛ إضعاف محور المقاومة وإرباك المنطقة.
هذه الرؤية تعيد رسم خريطة التفاوض؛ إيران تريد اتفاقاً عادلاً، لا اتفاقاً كيفما اتفق. إيران تريد وقف الحرب، لكن ليس على حساب أمنها أو أمن حلفائها. إيران تريد علاقة متوازنة مع العالم، لكنها لن تسلم أوراقها لمن لا يحترم التزاماته.
في لحظة سياسية مشحونة، يقف العالم مترقباً ردة فعل ترامب، بينما تقف إيران ثابتة على أرضها، مستندة إلى ثلاثية قالیباف؛ القوة، الحذر، والاستعداد الدائم. هذه ليست لغة تحد، بل لغة دولة تعرف ثقلها، وتعرف أن الحقوق لا تستعاد إلا حين يكون صاحبها مستعداً للدفاع عنها.