شاركوا هذا الخبر

الحاج قاسم... رجل الميدان | راديو غزة

أحيانًا…حين نسمع كلمة الجهاد،يتبادر إلى أذهاننا فورًا صوت الرصاص،غبار المعركة،وصورة رجلٍ يمشي نحو الخطر بلا تردّد. لكن…ماذا لو قلت لكمإن أخطر معركةلا يُسمع فيها صوت؟ ولا تُرى فيها دماء؟ معركة لا تُخاض في الجبالولا على الحدود…بل في الداخل.

الكوثر - راديو غزة

كنت أفكّر طويلًا في هذه الفكرة: كيف يمكن للإنسانأن يحمل السلاحمن دون أن يفقد روحه؟
هنا… يظهر معنى ما كان الحاج قاسم سليماني يسميه «جهاد التعلّم».

لم يكن يرى المجاهد كجسدٍ مدرّب فقط، ولا كرقمٍ في معادلة عسكرية. كان يراه مشروع إنسان. إنسانٌ يفهم قبل أن يطلق، ويعي قبل أن يندفع، ويحاسب نفسه قبل أن يحاسب غيره. كان يقول – أو هكذا كان سلوكه يقول – إن المعركة التي تُدار بعقلٍ مظلم ستخلّف ظلامًا أكبر، أما المعركة التي يُديرها عقلٌ مضيء فقد تنتهي بأقلّ قدرٍ من الدم… وأكبر قدرٍ من المعنى.

لهذا، لم يبدأ إعداد المجاهد عنده من ساحة التدريب، بل من ساحة الوعي. كان يؤمن أن من لا يفهم هدفه قد يحمل السلاح… لكن السلاح لن يحمله إلى الحقيقة. تخيّلوا هذا المشهد: ساحة قتال، تعب، خطر، ترقّب. ثم يجلس قائدٌ بينهم لا ليعطي أمر هجوم، بل ليشرح معنى “النيّة”. واحدٌ ممن حضروا ذلك الدرسقال لاحقًا: “ظننا أننا خرجنا من معركة عسكرية، فإذا بنا ندخل معركة الفكر والنفس.”

إقرأ أيضاً:

أيّ قائدٍ هذا الذي يرى أن إصلاح النيّة لا يقلّ أهمية عن إحكام الخطة؟ كان التعليم عنده جزءًا من الجهاد، لا نشاطًا جانبيًا، ولا ترفًا ثقافيًا. أنشأ داخل الوحدات الميدانية حلقات فكرية صغيرة، يُقرأ فيها نهج البلاغة، ويُناقش الميزان، وتُفتح كتب الفكر والسياسة والاستراتيجية. لكن الأهم… أنه لم يفرض فكرًا واحدًا. لم يُرد مقاتلين متشابهين، بل عقولًا حيّة. كان يقول للمشرفين: “لا تربّوا المقاتل على الطاعة العمياء، ربّوه على الفهم العميق.

وهنا… يتغيّر كل شيء. لأن الطاعة العمياء قد تصنع جنديًا، لكن الفهم العميق يصنع إنسانًا مسؤولًا. إنسانًا يعرف أين يقف، ومتى يتقدّم، ومتى يتوقّف حتى وهو قادر على الاستمرار. ربما لهذا… كان الذين تخرّجوا من هذا النهج أكثر رحمةً بالمدنيين، وأكثر التزامًا بالأخلاق وسط الفوضى.


لم يكونوا ملائكة، لكنهم كانوا واعين. والوعي… هو آخر ما يحاول العنف أن يسرقه من الإنسان. الحاج قاسم لم يفصل يومًا بين المعرفة والمعركة. كان يرى أن السلاح من دون بصيرة قد يتحوّل على صاحبه. حتى في رحلاته العسكرية، كان يحمل كتابًا. نهج البلاغة، كتب فلسفة إسلامية، نصوصًا للتأمّل.

قال أحد المقرّبين منه: “كان يجمع في حقيبته سلاحًا وكتابًا، ولكلٍّ منهما معركته. ”يا لها من صورة… سلاحٌ يحمي الجسد، وكتابٌ يحمي الروح. بل وأكثر من ذلك، كان يشجّع المجاهدين على إكمال دراستهم الأكاديمية. رتّب برامج مرنة، دعم التعليم بالمراسلة، وطبع كتبًا ثقافية لشبابٍ في مناطق أنهكتها الحرب.


كان يؤمن أن مقاومة الجهل هي المرحلة الأولى من مقاومة الاستكبار. أن العدو الحقيقي ليس فقط من يقف أمامك، بل من يمنعك من الفهم. لهذا… جهاد التعلّم ليس فكرة تاريخية، ولا تجربة عسكرية فحسب. هو سؤال مفتوح لنا جميعًا: هل نقرأ بما يكفي قبل أن نصرخ؟ هل نفهم بما يكفي قبل أن نختار موقفًا؟ هل نمتلك وعيًا يحمي إيماننا من التطرّف، ويحمي قوتنا من الانحراف؟ الحاج قاسم جمع بين الجهاد الأكبر والأصغر، بين نور المعرفة ولهب المعركة. وترك لنا رسالة صامتة تقول: إن العلم حين يرافقه الإيمان ينبت ثمرًا حرًّا، وإن المجاهد حين يتعلّم لا يكون فردًا فقط… بل أمةً بحدّ ذاته.

ربما… لسنا جميعًا في ساحات القتال، لكننا جميعًا في ساحة الاختيار: أن نكون واعين… وهنا…لا تنتهي الحكاية، بل تبدأ من سؤالٍ جديد: ماذا سنفعل نحن بهذا الإرث من الوعي؟

أهم الأخبار

الأكثر مشاهدة