تعليم الطفل مهارة التعلُّم

الإثنين 26 ديسمبر 2016 - 12:23 بتوقيت مكة
تعليم الطفل مهارة التعلُّم

أكثر الذين يتخذون القرارات هم الأهل. ومن أصعب هذه القرارات، القرار المتعلق بما إذا كان لزاماً عليهم السماح للطفل باتّخاذ قراراته بنفسه، ومتى وكيف؟

أكثر الذين يتخذون القرارات هم الأهل. ومن أصعب هذه القرارات، القرار المتعلق بما إذا كان لزاماً عليهم السماح للطفل باتّخاذ قراراته بنفسه، ومتى وكيف؟

ما بين الشهر الثامن عشر وعمر الثلاث سنوات، يسعى الطفل جاهداً إلى تحقيق السيطرة على عالمه. ويكون قد تعلّم أنّه فرد وأنّه من المسموح للفرد حقّ الاختيار. ولكن، لسوء الحظ، عندما يحاول الطفل الحصول على حقّه في الاستقلال، يُنعت بأنّه مشاغب ومُثير للمشاكل.

إنّ هذه المرحلة العمرية، مهمّة جدّاً في حياة تطور الطفل. ففيها يبدأ الطفل التعرف إلى عالمه، وإلى تعلُّم كيفية السيطرة عليه. لذا، غالباً ما يصرخ بالرد بكلمة «كلا» على كلّ سؤال تطرحه الأُم عليه، باعتبار أنّ هذا الرد يدل على قدرته على السيطرة والبدء في تحديد خياراته.

علّمي طفلك مهارة التعلُّم

خلال فترة التطوّر المهمة هذه، تستطيع الأُم القيام بخطوات عديدة لمساعدة طفلها على تعلّم كيف يتخذ قراراته ويحدد خياراته. بالطبع، لا يكون طفل في عمر ثلاث سنوات مستعداً بعدُ لاتّخاذ قرارات أساسية ومهمة يمكن أن تؤثر في حياته. من هنا، يجب أن تستمر الأُم في تأكيد وجوب ذهاب طفلها إلى النوم في ساعة معينة، وأخذ حمام قبل النوم ليلاً، وتناول طعام صحّي، وتنظيف أسنانه كلّ ليلة قبل النوم، وارتداء ملابس تتناسب مع الطقس. لذا، قبل أن تسمح الأُم لطفلها باتّخاذ أي قرار، عليها أن تضع ضوابط ثابتة على هذه الأنشطة اليومية المهمة، وألّا تقبَل النقاش بشأنها.

إنّ السماح لطفل في عمر السنتين، أو أكثر أو أقل قليلاً، في تحديد خياراته، يبدو مخيفاً إلى حد ما. وبما أنّ خبرته تكون محدودة في هذا العمر، وكذلك حُكمه على الأشياء، وبما أنّ تصرفاته تبدو غريبة وغير مألوفة نظراً إلى صِغر سنه، لذا قد تكون معظم القرارات التي يتخذها خاطئة. ومع ذلك، لابدّ من منح الطفل فرصة ليتخذ القرارات، لأنّ ذلك ضروري لتطوّره. من المهم جدّاً منح الطفل مثل هذه الفرصة خلال فترة نموه. إنّ الطفل الذي يتربَّى في كنَف عائلة يتخذ فيها الأهل كلّ القرارات، قد لا يتمكن من تطوير المهارات التي يحتاج إليها لمساعدته على اتّخاذ قرارات موثوق بها ومسؤولة. ففي ما بعد، عندما يخرج مثل هذا الطفل من المنزل لزيارة صديق له في منزله أو للذهاب إلى المدرسة، ويواجه خيارات صعبة (هل يجب أن أغش في الامتحان؟ أو أن أجرب السيجارة؟ أو أن أتناول الكحول؟) غالباً ما تكون قراراته غير سليمة، أو أنّه يسمح للآخرين باتّخاذ القرارات عنه.

من هنا، تأتي أهمية أن يبدأ الطفل في تعلّم كيفية اتخاذ القرار في هذا العمر. وأهمية أن تدرك الأُم أنّ طفلها لا يملك الإمكانية لاتخاذ القرارات في كلّ ما يواجهه في اليوم الواحد (أن يتخذ القرار الصحيح في لبسه وطعامه ووقت نومه). على الأُم أن تحافظ على أمن طفلها ونظافته، وأن تقدم له الطعام الصحّي المناسب لسنّه، وأن توفّر له مكاناً آمناً ودافئاً لينام. وعندما تُدرك متى تكون الكلمة الفصل للطفل، عليها أن تتخلى عن سلطاتها وأن تخفف من سيطرتها على قرارات طفلها.

إنّ اتّخاذ القرارات يُعتبر جزءاً مهماً من الحياة. والقدرة على اتّخاذ القرار الصحيح تُميّز بين أولئك الذين يحققون النجاح في الحياة والذين يجدون صعوبة في تحقيقه. ولكن اكتساب المهارة في تحديد الخيار أمرٌ لا يتحقق بسهولة. فالطفل يحتاج إلى سنوات وسنوات من التدريب منذ سن الطفولة وإلى ما بعد ذلك. إنّ السماح للطفل باتّخاذ القرارات البسيطة في هذه المرحلة، يمنحه الفرصة للتدرب على هذه المهارة، وهو لا يزال مُحاطاً بشبكة أمان عائلته.

إنّ منح الطفل الفرص لاتّخاذ القرارات في هذه السن وبإشراف الأُم، يضعه على الطريق الصحيح ويساعده على اتّخاذ القرارات الحكيمة في ما بعد. في البداية، على الأُم أن تتوقع أن تكون معظم قراراته بعيدة عن الحكمة.

عند إشراك الطفل في صنع القرارات على الأُم أن تأخذ التحذيرات التالية في الاعتبار:

-  عليها ألاّ تُقدّم له خيارات مفتوحة أو غير محددة. أن تسأله مثلاً: «ماذا يريد أن تأكل؟». فقد يختار الطفل صنفاً من الطعام غير متوافر في المنزل أو صنفاً غير ملائم، مثل لوح شوكولاتة للإفطار. وإذا مَنحت الأُم الطفل الفرصة ليختار ما يشاء ثمّ اعترضت على خياره، سيخلص إلى أنّه لا يملك الحقّ في اتّخاذ القرار فعلياً، وهذا يقلل من ثقته بالأُم، أو يشير إلى أنّ قراراته غير سليمة، وهذا يقلل من ثقته بنفسه وبقدرته على اتّخاذ القرار. لذا، على الأُم أنّ تخير الطفل بين أمرين، مثلاً: «هل تريد أن تأكل «كورن فلكس» مع الموز أو خبزاً محمّصاً مع الزبدة والمربَّى على الإفطار؟».

- عليها ألا تُخيّره بين أشياء مُضرّة لصحّته وأمنه. يجب أن توضح الأُم للطفل أنّه ليس أمامه من خيار عند ركوب السيارة إلّا بربط حزام الأمان، ولبس ثياب سميكة في فصل الشتاء، وعدم قطع الشارع لوحده. حتى في هذه المسائل غير القابلة للنقاش، يمكن أن تخيّر الأُم طفلها بين أمرين تجنباً لإثارة الجدل والخلاف معه مثل: «هل تريد مني ربط الحزام أم تفضل أن يقوم والدك بذلك؟» أو «هل تريد أن تمسك يدي أم يد والدك عند قطع الشارع؟».

- يجب عدم إرهاق الطفل بقرار نتائجه هائلة أو كبيرة، مثلاً، تُخيّره بين أمرين وهو لايزال في سن لا تأهله للمفاضَلة بينهما. بالطبع، يمكن أن تطلب الأُم مساعدة طفلها عند تحديد خيارين يبدوان جيِّدين، فتترك له المجال في اتّخاذ القرار النهائي وتحديد الأنسب له. ولكن من غير المقبول أن تضع الأُم المسؤولية كاملة على عاتق الطفل عندما يستدعي الأمر اتّخاذ قرار رئيسي ومهم. فإذا تبيَّن أنّ القرار لم يكن جيِّداً، سيتم تذكيره به طوال اليوم، وقد يدعوه الشعور بالفشل في اتّخاذ القرار الصحيح إلى التردد في اتّخاذ قرارات أخرى في المستقبل.

- يجب عدم إغراق الطفل بقرارات تفوق قُدراته. إنّ ترك الطفل يتخذ القرارات طوال اليوم، بشأن الطعام واللبس والألعاب وفريق اللعب والأنشطة، يمكن أن يشكّل ضغطاً عليه. لذا، يجب ألّا تطرح الأُم على طفلها قبل كلّ نشاط وكلّ يوم، السؤال: «هل تُفضّل أن...؟».

- عليها تقديم خيارات مُحدَّدة. بينما لا تستطيع الأُم ترك المجال لطفلها ليختار عدم تطبيق أيٍّ من الأنشطة اليومية المهمّة (وقت النوم، الحمّام، تنظيف الأسنان... إلخ)، المفروض عليه تطبيقها، لكنها تستطيع تقديم العديد من الخيارات ضمن هذه الأنشطة لانتقاء ما يناسبه منها. مثلاً، عليها هي تحديد وقت النوم، لكن يمكنها ترك المجال لطفلها لاختيار القصّة التي يريد قراءتها عليه قبل النوم. عليها هي أن تحدد الثياب التي يجب أن يرتديها الطفل بما يتناسب مع حالة الطقس، لكن يمكنها أن تترك له اختيار لون القميص الذي يحب والبنطلون الذي يُريحه. إنّ جزءاً من تعليم الطفل اتّخاذ القرار، يتعلق بمعرفة الطفل الأشياء التي يستطيع السيطرة عليها واتّخاذ قرار بشأنها. فإذا قدمت الأُم خيارات غير متاحة للطفل فعليها البَتُّ فيها، فقد تُربكه وتتسبب في فقدان ثقته بقدرته السيطرة على قراره. مثلاً، إذا سمحت الأُم لطفلها بأن يختار ملابسه بنفسه وصمّم على ارتداء الشورت في فصل الشتاء، فإنّها بالتأكيد لن تسمح له بارتدائه لأنّ الطقس البارد جدّاً في الخارج. ومن المحتمل هنا أن يعتقد الطفل أنّ أُمّه تُهيمن على قراره وتمنعه من تنفيذه، وسيجعله هذا يشعر بأنّ عملية اتّخاذ القرار اعتباطية، لأنّ الأُم هي مَن يسيطر على القرار في نهاية الأمر. إنّ الهدف من عملية التعليم، هو إفهام الطفل، في الدرجة الأولى، أنّ هناك رابطاً بين القرارات ونتائجها. مثلاً، على الأُم ألّا تعرض على طفلها خيار ارتداء المعطف خارج المنزل في فصل الشتاء، فقد يرفض ارتداءه لأنّه لا يعرف نتائج رفضه. في هذه الحالة، عليها هي اتّخاذ القرار وإلباس الطفل معطفه من دون أن تترك المجال أمامه ليختار ما يريد.

- تستطيع الأُم أحياناً أن تتخذ قرارين مشتركين معاً، شرط أن يكونا مبنيّيين على رغبات وهوى طفلها، وعلى خبرتها ومعلوماتها. وكما تتشارك الأُم مع طفلها في اتّخاذ قرار ما، عليها أن تشاركه أيضاً الخطوات التي يجب اتباعها بشكل طبيعي عند تحديد القرارات الجيِّدة. عليها أن تكلمه عن الخيارات، وأن تُبيّن له السبب الذي يدعوه إلى اتّخاذ القرار (قد تُمطر السماء. لذا يُفضَّل زيارة جدتك بدلاً من اللعب في الملعب)، أو ما إذا كان أحد سيتأذَى من القرار أو سيفرح به (ستشعر جدتك بالحزن إذا ذهبنا إلى السينما بدلاً من زيارتها)، وما إذا كان الخيار صحيحاً أو خاطئاً (لقد وعدنا صديقك بالذهاب إلى السينما معه. وقد يكون من الخطأ عدم الوفاء بوعدنا).

- على الأُم أن توضح لطفلها أنّه حتى عندما نبذل الجهود حتى يكون الخيار جيِّداً، فإنّنا نخطئ أحياناً عند اتّخاذ القرار. إذا عرف الطفل أنّه لا بأس من ارتكاب الأخطاء أحياناً، فإنّه لن يتردد في محاولة اتّخاذ أي قرار بنفسه. وإذا كان الخيار الذي اتخذه أقل من جيِّد، على الأُم أن تدعمه بقولها مثلاً: (كنت متأكدة من أنّك ستنجح). عليها أن تدعمه من دون أن تنتقد قراره أو تحكم عليه، لتتيح له الفرصة ليكتشف بنفسه نتائج كلّ قراراته في المرات المقبلة. مثلاً، إذا أصَرّ الطفل على لبس الشورت أثناء مشاركته اللعب بالكرة، ووقع أرضاً وجرح ركبتيه، بدلاً من أن تقول له: (لقد نبَّهتك إلى ارتداء بنطلون طويل) ولومه على ما حصل، عليها أن تحاول القول له مثلاً: (آسفة، لقد جرحتَ ركبتيك. فكِّر كيف يمكنك أن تحميهما في المرة المقبلة).

- على الأُم ألا تتوقع أن يصبح طفلها مثالياً في اتّخاذ القرارات، من خلال التدريب فقط. إنّ مهارة الطفل في تحديد الخيارات واتّخاذ القرارات، تتحسن من خلال التجربة واكتساب الخبرة وعندما يصبح ناضجاً. ولكن، لن تكون قراراته صائبة مئة في المئة أبداً فالطفل، كما والديه، هو إنسان في الدرجة الأولى، يخطئ كما يخطئون.

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

الإثنين 26 ديسمبر 2016 - 09:51 بتوقيت مكة