الكوثر_ايران
قبل ساعات، وسط الثلوج والبرد القارس في قاعدة بايكونور الفضائية بكازاخستان، كان دوي أحد أقوى الصواريخ في العالم إيذاناً ببدء فصل جديد في الاتصالات الفضائية الإيرانية.
القمر الصناعي الثابت بالنسبة للأرض «جام جم 1» (باسمه الدولي Iran DBS) التابع لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، انطلق بنجاح إلى الفضاء، ليتخذ الإيرانيون بعد سنوات من الجهود، موطئ قدم راسخ في المدار الاستراتيجي الثابت بالنسبة للأرض (GEO). لكن في طبقات هذا الخبر العميقة، تكمن نقاط فنية واستراتيجية هامة تتجاوز مجرد عملية إطلاق بسيطة:
اختيار صاروخ الإطلاق الشهير والقوي «بروتون-إم»
تؤكد الصور المنشورة للحظة الإطلاق، وجود الصاروخ الثقيل والشهير «بروتون-إم» (Proton-M). يعكس اختيار هذا الصاروخ الروسي، فهماً دقيقاً للحقائق الفنية؛ فالوصول إلى ارتفاع 36 ألف كيلومتر ووضع القمر الصناعي بدقة في هذا المدار، يحتاج إلى قوة تفوق القدرة الحالية لصواريخ الإطلاق المحلية الخفيفة والمتوسطة.
اقرا ايضا:
في هذه المهمة، أُطلق «جام جم 1» بشكل مشترك وبرفقة قمر صناعي روسي للأرصاد الجوية (إلكترو-إل)، وذلك لخفض التكاليف، والاستفادة من معامل الموثوقية العالي لهذا النظام الفضائي.
إن اختيار الصاروخ القوي «بروتون-إم» لمهمة «جام جم 1»، يدل على الوزن الكبير والتعقيد الفني لهذا المشروع. يُعرف بروتون في الأدبيات الفضائية العالمية باسم «حصان العمل» (Workhorse) وبأنه أحد أكثر صواريخ الإطلاق الثقيلة موثوقية في التاريخ، ويتولى مهمة نقل حمولات لا تستطيع صواريخ الإطلاق الخفيفة والمتوسطة حملها إلى ارتفاع 36 ألف كيلومتر.
يستطيع هذا الصاروخ، بالاستفادة من محركاته القوية وكتلة الانتقال المداري المتطورة (بريز-إم)، بعد التغلب على جاذبية الأرض، حقن الحمولة مباشرة في المدار الانتقالي الثابت بالنسبة للأرض (GTO) بدقة عالية وعبر عدة مراحل من اشتعال المحرك؛ وهي قدرة خفضت خطر عدم الوصول إلى المدار النهائي إلى أدنى مستوى، بالنسبة للتجربة الأولى لإيران على هذا الارتفاع.
جسر لعبور عقوبات التكنولوجيا حتى نضوج الصواريخ الحاملة المحلية
إن استخدام بروتون، أبعد من كونه خياراً فنياً، يعد «تكتيكاً استراتيجياً ذكياً» بالنسبة لإيران. في ظل مرور الصواريخ الحاملة المحلية الثقيلة للبلاد، كصواريخ «سيمرغ، ققنوس وسرير»، بمراحل البحث والتطوير للوصول إلى مدار GEO، أتاح الاستفادة من القدرة التشغيلية الروسية، لإيران تثبيت نقطتها المدارية 34 درجة شرقاً، دون إضاعة الوقت وقبل انتهاء المهلة القانونية للاتحاد الدولي للاتصالات (ITU).
في الواقع، لعب «بروتون» في هذه المهمة دور جسر اتصال، لتتمكن إيران، قبل الوصول الكامل إلى قدرة إطلاق القمر الاصطناعي الثقيل المحلي، من تشغيل «تملك واستثمار» موقعها في مدار 36 ألف كيلومتر، وكسر احتكار القوى العظمى في هذه الطبقة الاستراتيجية من الغلاف الجوي.
مسار موازٍ لإيران؛ تطوير محلي لمستقبل مستقل
لا يعني استخدام صاروخ أجنبي في هذه المهمة، توقف عجلات صناعة الفضاء الداخلية؛ بل هو قرار استراتيجي لـ«شراء الوقت». النقطة البالغة الأهمية التي لا ينبغي تجاهلها في ظل هذا الإطلاق، هي الجهود المتواصلة للعلماء الإيرانيين لتطوير «حاملات الأقمار الاصطناعية الثقيلة المحلية» وتقنية «كتل الانتقال المداري» المعقدة.
تطور إيران حالياً كتل الانتقال المداري (مثل سامان) التي تتولى مهمة استلام القمر الصناعي من المدارات المنخفضة وإيصاله إلى مدار 36 ألف كيلومتر.
يخلق إطلاق اليوم بالصاروخ الروسي، فرصة ذهبية لتأمين الوقت اللازم لنضوج واختبار الصواريخ الحاملة الثقيلة المحلية وكتل الانتقال المداري، دون فقدان النقاط المدارية والبنية التحتية للبث. في الواقع، هذا تعاون تكتيكي لملء الفراغ القائم حتى تشغيل السلسلة الفضائية المحلية بالكامل.
تثبيت الملكية في النقطة 34 درجة شرقاً
يعد الحفاظ على «حق الانتظار» (Parking Right) لإيران في الفضاء، أحد أهم إنجازات هذا الإطلاق. وفق القوانين الصارمة للاتحاد الدولي للاتصالات (ITU)، إذا لم تستطع دولة ما وضع قمر صناعي في نقاطها المدارية ضمن أطر زمنية محددة، فإنها تفقد حق ملكيتها لتلك النقطة.
من المقرر أن يستقر «جام جم 1» في موقعه النهائي «34 درجة شرقاً» خلال أقل من ثلاثة أسابيع؛ وهو إجراء يبقي فعلياً وثيقة ملكية إيران لهذه النقطة القيّمة حية، ويمنع مصادرتها من قبل المنافسين.
خلافاً للتصور العام، مهمة «جام جم 1» ليست البث المباشر للأطباق المنزلية العادية. وفق إعلان النائب الفني لهيئة الإذاعة والتلفزيون، يتولى هذا القمر الصناعي مهمة «إيصال إشارات الصوت والصورة التفاعلية» للمحطات الأرضية.
ببساطة، يلعب هذا القمر دور طريق سريع اتصالي هائل وآمن (Backhaul) ينقل الصور بجودة عالية من طهران إلى أجهزة الإرسال في جميع أنحاء البلاد، ليتم البث الأرضي بجودة مناسبة.
استقبال إشارة هذا القمر الصناعي يحتاج إلى تجهيزات احترافية، وهدفه الرئيسي هو قطع الاعتماد البنيوي لهيئة الإذاعة والتلفزيون على استئجار الأقمار الصناعية الأجنبية كـ«إنتل سات» و«يوتل سات» التي أبقَت دائمًا سيف العقوبات مسلطاً فوق رأس الإعلام الوطني.
ثلاثة أسابيع مصيرية؛ من المدار الانتقالي إلى نقطة التثبيت
يجب الانتباه إلى أن دوي النجاح المظفر للصاروخ في قاعدة بايكونور، كان فقط نهاية «مرحلة الإطلاق»، ويدخل الآن «جام جم 1» في إحدى أكثر مراحل مهمته حساسية.
هذا القمر الصناعي تحرر حالياً في المدار الإهليجي الانتقالي (GTO)، ووفق قوانين الميكانيكا المدارية، ليس من المفترض أن يستقر فوراً في النقطة النهائية. خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة، يجب على القمر الصناعي، عبر تنفيذ سلسلة من المناورات الدقيقة وتشغيل محركاته الدافعة (Apogee Kick)، تعديل مداره وتحويل وضعه من إهليجي إلى دائري كامل على ارتفاع 36 ألف كيلومتر.
في هذه الفترة الزمنية التي تمتد 20 يوماً، يغير القمر الصناعي، إضافة إلى الارتفاع، موقعه ببطء (Drift) باتجاه النقطة المستهدفة، أي 34 درجة شرقاً.
بالتزامن، تدخل الفرق الفنية الأرضية مرحلة LEOP (المراحل الأولى لوضع القمر في المدار) لإجراء الاختبارات الحيوية، كارتفاع الألواح الشمسية بالكامل، وسلامة البطاريات، ومعايرة حمولة الاتصالات.
لذا، فإن الإعلان عن خبر «الاستقرار النهائي» وبدء الخدمة الرسمية، رهن بالانتهاء الناجح لفترة الانتظار التي تمتد ثلاثة أسابيع، والتثبيت الكامل للقمر الصناعي في موقعه الفضائي.
يمثل إطلاق «جام جم 1» مزيجاً من دبلوماسية التكنولوجيا وتطوير البنية التحتية. تواصل إيران بذكاء، وبالاستفادة من قدرات شريكها الاستراتيجي لتلبية الحاجة الملحة والحفاظ على النقطة المدارية، مسيرة التطوير المحلي لحاملات الأقمار الثقيلة وكتل الانتقال المداري بقوة، ليتم في المستقبل القريب، الصعود إلى مدار 36 ألف كيلومتر بقوة إيرانية خالصة.