شاركوا هذا الخبر

خوف أمريكي من التورط في صراع طويل مع إيران

ما يحظى اليوم بالاهتمام في الأوساط السياسية والأمنية والإعلامية الغربية بشأن المواجهة مع إيران، ليس مجرد القدرات العسكرية للجمهورية الإسلامية؛ بل القلق من التكاليف الباهظة، والعواقب غير القابلة للتوقع، واحتمال تحول أي صراع محتمل إلى حرب استنزاف.

خوف أمريكي من التورط في صراع طويل مع إيران

الكوثر_مقالات

على مدى السنوات الماضية، قامت العديد من التحليلات الغربية على افتراض أن التفوق التكنولوجي والعسكري الأميركي قادر على إدارة أي أزمة إقليمية في وقت قصير، لكن التجارب الميدانية والتطورات الأخيرة في المنطقة، جعلت هذا التصور يواجه شكوكاً جدية.

وصفت صحيفة غلوبال تايمز الصينية، في تحليل لها نقلاً عن رأي أحد الباحثين في جامعة لانجو، هذا التردد بأنه نابع من تناقض بنيوي في السياسة الأميركية. فمن جهة، لا تزال واشنطن تعتبر نفسها القوة العسكرية الأكبر في العالم، وتتمتع بأدوات عسكرية واستخباراتية واقتصادية واسعة، لكنها من جهة أخرى ليست واثقة من النتائج الفعلية لاستخدام هذه القوة ضد إيران. ووفقاً لهذا التحليل، تدرك أميركا جيداً أن بدء الصراع قد يكون بيدها، لكن نهايته ليست بالضرورة تحت سيطرة واشنطن.

وهذا القلق، خلافاً لتصور البعض، ليس مجرد نقاش نظري، بل ينبع من التجارب المريرة التي مرت بها أميركا خلال العقدين الماضيين. فحرب أفغانستان التي كان من المفترض أن تنتهي في غضون أشهر، استمرت قرابة عشرين عاماً، وانتهت بخروج وصفه العديد من الساسة الأميركيين حتى بأنه هزيمة استراتيجية. وفي العراق، ورغم احتلاله في وقت قصير، إلا أنه جلب لأميركا سنوات من انعدام الأمن، والحرب الأهلية، والتكاليف الاقتصادية، والتآكل السياسي. وأظهرت هاتان التجربتان أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية.

ولهذا السبب، يفرق اليوم العديد من صناع القرار الأميركي بين القدرة على بدء الحرب والقدرة على إدارتها. فالضربات الجوية، والعمليات الصاروخية، أو استخدام القدرات العسكرية قد تسبب أضراراً في المدى القصير، لكن إدارة تداعيات حرب واسعة، والحفاظ على التحالفات الدولية، وتأمين القواعد الأميركية في المنطقة، والتحكم في سوق الطاقة، ومنع توسع الأزمة إلى الدول الحليفة، كلها مسائل جعلت حسابات واشنطن معقدة للغاية.

وفي هذا السياق، تختلف إيران اليوم اختلافاً جوهرياً عن إيران قبل عقدين. فتطوير القدرات الصاروخية، وزيادة دقة الأنظمة الهجومية، وتوسيع قدرات الطائرات المسيّرة، وتطوير شبكات الدفاع الجوي، فضلاً عن خبرة سنوات من مواجهة الضغوط الخارجية، كلها عوامل غيرت المعادلات الأمنية في المنطقة. حتى العديد من مراكز الفكر الغربية أكدت في السنوات الأخيرة أن أي صراع مع إيران لن يبقى محصوراً في جغرافيا محددة، بل قد يتخذ أبعاداً إقليمية واسعة.

ومن جهة أخرى، زادت تجربة المواجهات الأخيرة من هذا القلق. فخلافاً لبعض التقديرات الأولية، لم تستطع الضغوط العسكرية والاقتصادية تحقيق الأهداف المعلنة لأميركا وحلفائها بالكامل. مما جعل السؤال يُطرح مرة أخرى في أوساط صنع القرار الأميركي: إذا كانت سياسة الضغوط القصوى، والعقوبات غير المسبوقة، والإجراءات العسكرية المحدودة، لم تستطع تغيير سلوك إيران وفق ما ترغب واشنطن، فهل يمكن لدخول حرب واسعة أن يحقق نتيجة مختلفة؟

وهناك عامل آخر زاد من تعقيد القرار الأميركي، ألا وهو الوضع الداخلي للولايات المتحدة. فاقتصاد أميركا لا يزال يواجه تحديات الديون الضخمة، وعجز الميزانية، والنفقات العسكرية المتزايدة، والتنافس الاستراتيجي مع الصين. وفي ظل هذه الظروف، قد يؤدي الدخول في حرب جديدة مكلفة إلى زيادة الضغط على الموارد المالية والعسكرية لواشنطن. ويعتقد العديد من المحللين الأميركيين أن أولوية أميركا الرئيسية في العقد القادم هي التنافس مع الصين في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية، وأن الانجراف في أزمة طويلة في غرب آسيا قد يعطل هذه الاستراتيجية بشكل خطير.

إلى جانب هذه القضايا، أصبح وضع المخزون التسليحي الأميركي موضوعاً جديراً بالاهتمام. فالاستمرار في الدعم العسكري الواسع لحلفاء واشنطن في مختلف الأزمات، يضع ضغطاً كبيراً على الصناعات الدفاعية الأميركية، بل إن بعض المسؤولين العسكريين الأميركيين حذروا من تناقص بعض المخزونات الاستراتيجية. ورغم أن أميركا لا تزال تعتبر القوة العسكرية الأكبر في العالم، فإن إدارة عدة أزمات كبرى في وقت واحد تتطلب موارد ليس من السهل تأمينها كما في الماضي.

أحد الأخطاء المحاسبية الأخرى للغرب، والتي أشار إليها تحليل غلوبال تايمز أيضاً، هو التقييم الخاطئ للمجتمع الإيراني. ففي السنوات الماضية، تصورت بعض المراكز الدراسية الغربية أن الضغوط الاقتصادية أو التهديدات العسكرية يمكن أن تضعف بسرعة التماسك الداخلي لإيران، لكن التجربة أظهرت أن التهديد الخارجي، في كثير من الحالات، يزيد من التضامن الوطني ويعزز روح المقاومة. وهذا ما جعل التنبؤ بنتائج أي حرب محتملة أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

في الوقت نفسه، أضافت ضغوط الكيان الصهيوني لتبني سياسات أكثر عدوانية ضد إيران تعقيداً إضافياً لقرارات أميركا. فمن جهة، تسعى واشنطن إلى الحفاظ على دعمها لحلفائها الإقليميين، ومن جهة أخرى، لا تريد الدخول في حرب تفوق تكاليفها بكثير الفوائد المحتملة. وهذا التناقض أحدث نوعاً من الارتباك الاستراتيجي في السياسة الأميركية، وهو وضع تحدثت عنه بعض التقارير بأنه يعكس غياب إجماع كامل بين المؤسسات السياسية والعسكرية الأميركية حول الأهداف النهائية لأي مواجهة مع إيران.

وهناك نقطة مهمة أخرى، وهي أن مفهوم الردع في المنطقة قد شهد هو الآخر تحولاً. ففي الماضي، كان الكثيرون يعتقدون أن التفوق الجوي والبحري الأميركي كافٍ لتحقيق الردع، لكن الفاعلين الإقليميين اليوم يمتلكون أدوات أكثر تنوعاً للرد. فزيادة مدى ودقة الصواريخ، وتطوير تكنولوجيا الطائرات المسيّرة، والحرب السيبرانية، والقدرات غير المتماثلة، كلها عوامل رفعت كلفة أي عمل عسكري بالنسبة لجميع الأطراف. ولهذا السبب، أصبحت الحسابات الأمنية اليوم أكثر تعقيداً مما كانت عليه قبل عقدين.

وفي النهاية، ما يثير حذر أميركا تجاه إيران أكثر من أي شيء آخر، هو الخوف من الدخول في حرب لا يمكن التنبؤ بزمنها ونطاقها ونهايتها. فتجربة أفغانستان والعراق، وفشل سياسة الضغوط القصوى، وتغير الموازين الإقليمية، وزيادة القدرة الردعية الإيرانية، والقيود الاقتصادية والعسكرية الأميركية، والقلق من اتساع رقعة الأزمة، كلها عوامل جعلت الخيار العسكري لم يعد يُنظر إليه كما في الماضي كحل بسيط ومنخفض التكلفة.

ومن هذا المنظور، فإن الشغل الشاغل لواشنطن اليوم ليس بدء الصراع، بل إدارة تداعياته. فأميركا تدرك جيداً أن الدخول في حرب أسهل من الخروج منها، وكلما طال أمد الصراع، زادت احتمالية تحوله إلى أزمة استراتيجية تهدد مصالحها العالمية. ولهذا، ورغم أن الخيار العسكري لا يزال مطروحاً في الخطاب السياسي الأميركي، فإن الحقائق الميدانية والتجارب الماضية جعلت صناع القرار الأميركي ينظرون إلى سيناريو المواجهة المباشرة مع إيران بحذر يفوق ما كان عليه في الماضي.

أهم الأخبار

الأكثر مشاهدة