شاركوا هذا الخبر

شنغهاي ينبغي أن تتحول إلى صوتٍ عال في الدفاع عن احترام السيادة الوطنية

أكد وزير الخارجية الايراني سيد عباس عراقجي، في كلمته القاها اليوم الجمعة خلال اجتماع مجلس وزراء خارجية منظمة شنغهاي للتعاون، على ضرورة تحويل هذه المنظمة إلى صوتٍ جهوري يدافع عن التعددية، واحترام السيادة الوطنية، والمساواة بين الدول، وسيادة القانون في العلاقات الدولية.

شنغهاي ينبغي أن تتحول إلى صوتٍ عال في الدفاع عن احترام السيادة الوطنية

الكوثر_ايران

الوزير عراقجي، ألقى كلمة خلال اجتماع مجلس وزراء خارجية منظمة شنغهاي للتعاون المنعقد في جمهورية قيرغيزستان.

وفيما يلي النص الكامل لكلمة وزير الخارجية الإيراني:

بسم الله الرحمن الرحيم

معالي السيد جينبيك كولوباييف، وزير خارجية جمهورية قيرغيزستان المحترم؛
السادة الوزراء المحترمون وزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون؛
سعادة الأمين العام؛
السيدات والسادة؛

في البداية، يسعدني أن أعرب عن خالص شكري وتقديري لحكومة وشعب جمهورية قيرغيزستان الصديقة، ولا سيما معالي السيد جينبيك كولوباييف، وزير الخارجية المحترم، على حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة في هذا الاجتماع المهم. وإنني على ثقة من أن هذه الدورة، التي تعقد قبيل الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس منظمة شنغهاي للتعاون، ستشكل فرصة ثمينة لتعميق التعاون عبر الإقليمي، وتعزيز التعددية، ورسم آفاق جديدة للتعاون بين الدول الأعضاء.

تواجه منظمة شنغهاي للتعاون اليوم مرحلة مصيرية في تطورات النظام الدولي. إذ يشهد العالم تحديات غير مسبوقة، من بينها تفاقم الأحادية الجامحة، وإضعاف المبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة، واللجوء غير القانوني إلى القوة، وفرض عقوبات أحادية وعشوائية، واستخدام الآليات الاقتصادية والمالية كأدوات للضغط السياسي. وفي ظل هذه الظروف، تزداد أهمية مسؤولية منظمة شنغهاي للتعاون، بوصفها واحدة من أهم الهيئات عبر الإقليمية التي تضم جزءًا كبيرًا من سكان العالم واقتصاده وموارد الطاقة وقدراته الاستراتيجية، أكثر من أي وقت مضى. إن هذه المنظمة يمكنها، بل ويجب عليها، أن تتحول إلى صوت عالف يدافع عن التعددية، واحترام السيادة الوطنية، والمساواة بين الدول، وسيادة القانون في العلاقات الدولية.

أيها الزملاء الأعزاء،

لقد تعرضت الجمهورية الإسلامية الايرانية في الأشهر الأخيرة مجددًا للعدوان العسكري المعلن من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني. فبعد هجمات يونيو ٢٠٢٥، شهد العالم مرة أخرى خلال الأشهر من فبراير حتى أبريل ٢٠٢٦ تكرار الاعتداءات العسكرية ضد إيران؛ وهي إجراءات لم تستهدف أمن شعبنا فحسب، بل طالت أيضًا مصداقية النظام القانوني الدولي بأسره. وفي ٢٨ فبراير ٢٠٢٦، عاش الشعب الإيراني أحد أكثر أيام تاريخه مأساوية وألمًا. ففي ذلك اليوم، اغتيل قائد الثورة الإسلامية، بصفته أعلى سلطة سياسية ودينية في الجمهورية الإسلامية الايرانية، وكان متواجدًا في مكتبه، برفقة أفراد أسرته. وفي الوقت نفسه، تعرضت مدرسة في مدينة ميناب لهجوم، وراح ضحيته ١٦٨ طالبًا وعاملًا بالمدرسة وأفرادًا من عائلاتهم في عمل إجرامي همجي. ولم تقتصر هذه الجرائم على ذلك فحسب، بل في اليوم نفسه، استهدف ملعب رياضي في مدينة لامرد بمحافظة فارس بهجوم؛ وبحسب الأدلة الفنية وبقايا الذخائر المستخدمة، فقد تم هذا الهجوم بأسلحة يتعارض استخدامها مع المبادئ الأساسية للقانون الإنساني الدولي، واستُخدمت لأول مرة ضد مدنيين، ولا سيما الفتيات الصغيرات اللواتي كنّ يمارسن نشاطًا رياضيًا، واللواتي كُنّ يحلمن بالبطولة والتألق في المحافل الوطنية والدولية، فذُبحن بوحشية وسُفكت دماؤهن على الأرض.

عندما تظل الهجمات على المراكز التعليمية والعلاجية والبنى التحتية الحيوية والمنشآت الاقتصادية وحتى المنشآت النووية السلمية الخاضعة لإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية دون ردٍّ فعّال من المجتمع الدولي، فلا يمكن لأي دولة أن تضمن ألا تكون هي نفسها ضحية لمثل هذه الممارسات غدًا. والأكثر إثارة للقلق أن هذه الاعتداءات وقعت في وقت كانت فيه ايران قد اختارت طريق الدبلوماسية والحوار، وكانت المفاوضات جارية لتسوية الخلافات. فكان الرد على الدبلوماسية ليس من خلال المفاوضات، بل بالهجوم العسكري. مثل هذا السلوك يُضعف الثقة في الدبلوماسية، ويشكك في مصداقية آليات تسوية المنازعات السلمية، ويحمل رسالة خطيرة لمستقبل العلاقات الدولية.

بعد ارتكاب مثل هذه الجرائم، ربما يكون أكثر المشاهد إيلامًا هو محاولة تطبيع الإجرام. لقد أثبتت التجربة المعاصرة أن الجريمة، إذا قوبلت بالصمت أو الغموض أو اللامبالاة من المجتمع الدولي، فإنها لا تتوقف فحسب، بل تتحول إلى نمط يتكرر. إن المسؤولية إزاء هذه الجرائم لا تقع على عاتق الجناة المباشرين وحدهم؛ بل إن أي دعم سياسي أو عسكري أو استخباراتي للمعتدين، بل وحتى الصمت أو المواقف المتناقضة تجاه مثل هذه الانتهاكات الصريحة للقانون الدولي، من شأنه أن يؤدي إلى إضعاف سيادة القانون وتشجيع الجناة على تكرار هذه السلوكيات غير القانونية.

السيدات والسادة،

ما واجهته جمهورية إيران الإسلامية لم يكن مجرد تهديد للأمن القومي لدولة واحدة؛ بل كان تحديًا للمبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام القانوني الدولي. ومن ثم، فإن الدفاع عن هذه المبادئ ليس دفاعًا عن جمهورية إيران الإسلامية فحسب؛ بل هو دفاع عن الأمن الجماعي، والاستقرار الإقليمي، ومصداقية القانون الدولي. فإذا أُضعف مبدأ حظر استخدام القوة، وتحول العدوان العسكري إلى أداة مألوفة في العلاقات الدولية، فلن يكون أي دولة، بغض النظر عن حجمها أو قوتها أو موقعها الجغرافي، في منأى عن عواقب ذلك.

لقد مارست ايران، وفقًا للمادة ٥١ من ميثاق الأمم المتحدة، حقها الأصيل في الدفاع المشروع، ودافعت في إطار القانون الدولي عن سيادتها واستقلالها وسلامة أراضيها. وفي الوقت نفسه، أثبتت ايران مرة أخرى أنها لم تكن ولن تكون البادئة بأي حرب. لطالما كانت سياستنا المبدئية قائمة على الحوار والدبلوماسية وحسن الجوار والتعاون الإقليمي، وما زلنا نؤمن بأن السلام المستدام لن يتحقق إلا عندما يحل الاحترام المتبادل والتنفيذ غير المتحيز للقانون الدولي والالتزام الحقيقي بالعهود الدولية محل العدوان والاحتلال والتهديد والمعايير المزدوجة. السلام يجب أن يُبنى ويُحافظ عليه ويُستدام.

أصحاب المعالي،

على الرغم من مرور بضعة أسابيع فقط على توقيع مذكرة إسلام آباد لإنهاء الحرب، فإن الولايات المتحدة الأمريكية أثبتت مرة أخرى أنها غير ملتزمة بتعهداتها. إن الانتهاك الصريح لأحكام هذه المذكرة، والهجوم على بنى النقل التحتية، ومنشآت مياه الشرب، وزوارق الصيد، والسفن التجارية المحلية، والمراكز الجوية، وغيرها من البنى التحتية المدنية، هي أمثلة واضحة على انتهاك القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي، ومثال صارخ على استمرار سياسة استخدام القوة وتجاهل الالتزامات الدولية. وفي الوقت نفسه، فإن التدخل المباشر للولايات المتحدة في تنفيذ الترتيبات الأمنية والملاحية في مضيق هرمز وفرض الحصار البحري مجددًا، عرّض أمن أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم للخطر، وتسبب في تعطيل حركة الملاحة التجارية الدولية العادية. لقد أثبتت تجربة الأشهر الأخيرة بوضوح أن أمن الخليج الفارسي ومضيق هرمز لا يمكن ضمانه من خلال وجود وتدخل القوات خارج الإقليمية، بل من خلال تعاون دول المنطقة والاحترام المتبادل والمسؤولية الجماعية.

إن ايران، إذ تؤكد مجددًا عزمها الراسخ على الدفاع عن سيادة البلاد واستقلالها وسلامة أراضيها، تعلن أن أي مشاركة أو تعاون أو مساعدة في ارتكاب عدوان ضدها  ستترتب عليها مسؤولية دولية للأطراف المعنية. وتحتفظ ايران وفقًا للقانون الدولي، بحقها في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة في إطار الدفاع المشروع، وستعتبر أي مصدر للعدوان ضد الشعب الإيراني هدفًا مشروعًا للإجراءات الدفاعية لقواتها المسلحة.

السادة الوزراء المحترمون،

تدين ايران بشدة استمرار عدوان الكيان الصهيوني على لبنان، وانتهاك سيادة هذا البلد وسلامة أراضيه بشكل متكرر، وكذلك الانتهاك الصريح للالتزامات الناشئة عن مذكرة إسلام آباد من قبل الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي. إن استمرار هذه الإجراءات يعرض أمن واستقرار منطقة غرب آسيا لمخاطر جسيمة. وفي الوقت نفسه، لا تزال المأساة الإنسانية المستمرة في غزة، والاحتلال المتواصل، وقتل المدنيين، والتدمير الواسع للبنى التحتية الحيوية، وحرمان الشعب الفلسطيني من أبسط حقوقه الإنسانية، تشكل واحدة من أعمق أزمات الضمير البشري وأهم تهديدات السلام والأمن الإقليمي والدولي. إن حصانة مرتكبي هذه الجرائم من المحاسبة، لم تؤد فقط إلى تصعيد العنف، بل وضعت أيضًا مصداقية النظام القانوني الدولي والآليات المتعددة الأطراف أمام تحدي خطير.

تؤكد ايران مجددًا على ضرورة الوقف الفوري لجميع الأعمال العسكرية ضد المدنيين، والرفع الكامل للحصار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، والمعارضة القاطعة لأي تهجير قسري للشعب الفلسطيني، ودعم حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. وإن تحقيق سلام مستدام في المنطقة لن يكون ممكنًا دون إنهاء الاحتلال واستعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

أصحاب المعالي،

لا تزال التطورات في أفغانستان تشكل أحد أهم الملفات الأمنية والتنموية المشتركة في نطاق منظمة شنغهاي للتعاون. إن استقرار وأمن أفغانستان ليس لهما أهمية استراتيجية لشعب هذا البلد فحسب، بل لجميع دول المنطقة أيضًا. إن المواجهة الفعالة للإرهاب والتطرف والجريمة المنظمة عبر الوطنية وتهريب المخدرات والهجرة غير الشرعية والتحديات الإنسانية، تتطلب تعاونًا وثيقًا ومنسقًا ومستمرًا بين دول المنطقة في إطار الآليات المتعددة الأطراف، ولا سيما منظمة شنغهاي للتعاون. إن ايران، انطلاقًا من روابطها التاريخية والثقافية والحضارية العميقة مع الشعب الأفغاني، والتزامًا منها بمبادئ احترام السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول والمسؤولية الإقليمية المشتركة، تدعم أي مبادرة تؤدي إلى تحقيق أفغانستان آمنة ومستقرة ومتطورة وخالية من الإرهاب وتتمتع بحكومة شاملة، وتدعو بشكل خاص إلى إنهاء التوتر والنزاع بين هذا البلد ودولة باكستان الشقيقة والصديقة.

الزملاء المحترمون،

لقد حان الوقت المناسب، مع التقدير للإنجازات القيمة لمنظمة شنغهاي للتعاون على مدى عقدين ونصف من النشاط، لأن نولي اهتمامًا أيضًا لمستقبلها. لقد أثبتت منظمة شنغهاي للتعاون على مر هذه السنوات أن التعاون الإقليمي القائم على الثقة المتبادلة واحترام المصالح المشتركة والمساواة بين الأعضاء وتجنب الأساليب المواجهية، يمكن أن يلعب دورًا فعالًا في تحقيق الاستقرار المستدام والتنمية المشتركة وتعزيز الروابط بين الشعوب. إن أهمية هذه المنظمة لا تقتصر على نطاقها الجغرافي وتعداد سكانها وقدراتها الاقتصادية فحسب؛ بل تكمن في قدرتها على إنشاء آليات جديدة للتعاون بين الحضارات والاقتصادات والمناطق المختلفة في العالم.

في ظل الظروف التي تخضع فيها الهياكل الاقتصادية والمالية الدولية بشكل متزايد لتأثير التنافسات السياسية والقيود الأحادية والاستخدام الأداتي للتبعيات الاقتصادية، يمكن لمنظمة شنغهاي للتعاون أن تلعب دورًا مهمًا في تعزيز التعاون الاقتصادي المستقل، وزيادة مرونة سلاسل التوريد، وتطوير التجارة الإقليمية، وتسهيل الروابط الاقتصادية بين الأعضاء. إن أحد أهم أولويات المنظمة في الربع الثاني من نشاطها، يجب أن يكون الانتقال من التعاونات السياسية والأمنية في الغالب إلى شراكة اقتصادية وتكنولوجية وتنموية شاملة.

إن القدرات الواسعة للدول الأعضاء في مجالات الطاقة والموارد الطبيعية والأسواق الاستهلاكية ورأس المال البشري والتكنولوجيا والموقع الجيوسياسي، وفرت فرصة فريدة لإنشاء شبكة مستقرة وطويلة الأجل للتعاون الاقتصادي. تؤمن ايران بأن تحقيق هذا الهدف يتطلب اهتمامًا خاصًا بتطوير التجارة المتبادلة، وتسهيل الاستثمار، وتوسيع التعاون المصرفي والمالي، والاستفادة من القدرات النقدية والمالية المستقلة، وإنشاء مسارات نقل وعبور آمنة ومستدامة وفعالة.

إن إيران، بفضل موقعها الجيوسياسي الفريد، تشكل حلقة وصل مهمة بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا وغرب آسيا والمياه المفتوحة، وهي مستعدة لوضع قدراتها الواسعة في مجالات ممرات النقل وأمن الطاقة والتجارة الإقليمية والتعاون الاقتصادي تحت تصرف الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون. إن مستقبل هذه المنظمة يجب أن يتشكل على أساس نهج شامل ومتعدد الأبعاد؛ نهج تُولى فيه الأمن والتنمية الاقتصادية والطاقة والاتصال الإقليمي والتكنولوجيا والتعاون الإنساني اهتمامًا متكاملًا.

إن تعزيز مسارات العبور، وتطوير الممرات الإقليمية، وزيادة الاستثمارات المشتركة، وتسهيل التجارة بين الأعضاء، والاستفادة من القدرات الهائلة للطاقة والموارد الطبيعية للدول الأعضاء، يمكن أن يحول منظمة شنغهاي للتعاون إلى واحدة من المحركات المهمة للنمو والتنمية في القرن الحادي والعشرين.

في هذا المسار، من الضروري، بتضامن وتعاون أكبر، ألا نسمح للعدوان أن يحل محل الدبلوماسية، ولا للقوة أن تحل محل القانون، ولا للمعايير المزدوجة أن تحل محل العدالة. إن مستقبلًا أكثر أمنًا واستقرارًا وعدالة لن يتحقق إلا عندما نتحدث جميعًا بصوت واحد وإرادة ثابتة، متحدين ومتناغمين في الدفاع عن المبادئ الأساسية للقانون الدولي والنظام القائم على التعددية.

شكرًا لحسن استماعكم.

أهم الأخبار

الأكثر مشاهدة