شاركوا هذا الخبر

التعريف بمحطة الطاقة الحرارية الأرضية .. مصدر إيراني جديد لتوليد الكهرباء

تمكن علماء إيرانيون من إتقان تقنية معقدة لتوليد الكهرباء من باطن الأرض، عبر تسخير بخار بدرجة حرارة 240 درجة مئوية من جبل سبلان.

التعريف بمحطة الطاقة الحرارية الأرضية .. مصدر إيراني جديد لتوليد الكهرباء

الكوثر_ايران

تشغيل أول محطة طاقة حرارية أرضية في إيران بمدينة مشكين شهر، وبقدرة 5 ميغاواط، ليس مجرد خبر عن توليد الكهرباء، بل يمثل بوابة جديدة نحو امتلاك المعرفة اللازمة لتسخير حرارة باطن الأرض.

هذا المشروع الذي تبلغ تكلفته 10 ملايين يورو، وأُقيم على خزان تتراوح قدرته الإمكانية بين 250 و400 ميغاواط، هو في الأصل مختبر علمي كبير يجمع بين عدة تخصصات مختلفة. لفهم روعة هذا الإنجاز، من الأفضل النظر إليه من منظور علمي:

المحرك الأساسي؛ جبل ينتهي بفرن داخلي

نعلم جميعاً أنه كلما اقتربنا من مركز الأرض، ازدادت الحرارة. ولكن لكي تكون هذه الحرارة مجدية، يجب أن تتوفر في الطبيعة ثلاثة عناصر مجتمعة: أولاً فرن ملتهب (كتلة صهارية قريبة من السطح)، وثانياً خزان صخري به مسامات تسمح بمرور المياه، وثالثاً غطاء صخري محكم يمنع تسرب البخار.

يتميز جبل سبلان، وهو بركان خامد لكن لا يزال حاراً، بوجود هذه العناصر الثلاثة بدقة: ففي أعماقه يوجد فرن طبيعي (حجرة صهارية) يحول المياه الجوفية إلى بخار فائق السخونة. ومن المثير للاهتمام أن خزان هذه المحطة في منطقة "دره موئيل" تبلغ مساحته نحو 19 كيلومتراً مربعاً، وتصل درجة حرارة المائع الساخن هناك في الطبقات العميقة إلى 260-270 درجة مئوية؛ أي أنه ساخن بما يكفي لإدارة التوربينات بسهولة.

رسم خرائط الأعماق؛ رؤية باطن الأرض دون حفر!

ربما يكون الجزء الأكثر إثارة في هذا المشروع هو عملية العثور على هذا الخزان. فبدلاً من البدء بالحفر بشكل عشوائي، استخدم العلماء تقنية ذكية لـ"التصوير" تحت أقدامهم، حيث قاموا بقياس الموجات المغناطيسية الطبيعية للأرض بأجهزة حساسة للغاية، لتحديد مدى موصلية كل طبقة في العمق.

ووفقاً لقاعدة علمية مثيرة، عندما يتفاعل الماء الساخن مع الصخور، فإنه عند درجات حرارة عادية (أقل من 200 درجة) ينتج نوعاً من الطين (يشبه طين الفخار) يكون موصلاً جيداً للكهرباء. أما عند درجات حرارة أعلى من 200 درجة، يتحول هذا الطين إلى معادن أخرى تكون أقل توصيلاً للكهرباء.

وبهذه الطريقة، اكتشف العلماء وجود طبقة طينية هائلة بسمك 500 متر فوق الخزان الساخن. هذه الطبقة هي بمثابة "غطاء القدر" أو الصخر الغطائي الذي يمنع هروب الحرارة البالغة 260 درجة، ويحبسها تحت الأرض وكأنها جرح مغلق. وهذه هي الهندسة الذكية للطبيعة!

الحفر في قلب البركان؛ مواجهة الصخور والحرارة

عندما تأكد العلماء من أن الطبقة الطينية التي يبلغ سمكها 500 متر تخفي خزاناً هائلاً من البخار تحت سطحها، جاء دور عملية الحفر المثيرة. في مشكين شهر، تم حفر عدة آبار عميقة (بعضها للاستكشاف، وبعضها للإنتاج، وبعضها لإعادة حقن المياه مرة أخرى إلى الأرض)، تجاوز عمق بعضها 3000 متر.

قد تعتقد أن الحفر أمر بسيط، لكنه في هذه المنطقة أصعب من حفر آبار النفط والغاز؛ لأن الصخور البركانية في سبلان صلبة وقوية للغاية، وكأنك تحاول اختراق صخر جرانيتي ملتهب بمثقاب. كما أن درجات الحرارة التي تتجاوز 200 درجة في الأعماق تتسبب في تآكل رؤوس الحفر بسرعة، وتفكك سوائل الحفر المستخدمة للتبريد والتزييت. فكل متر يتم حفره يمثل تحدياً جديداً.

قاعدة غليان مثيرة في الأعماق

هناك ملاحظة علمية مدهشة: نعتاد جميعاً أن الماء يغلي عند 100 درجة مئوية، ولكن هذه القاعدة تنطبق فقط على سطح الأرض (تحت الضغط الجوي العادي). فعلى عمق 3000 متر، يضغط وزن الصخور العلوية على الماء لدرجة أنه يظل سائلاً رغم الحرارة الهائلة التي تتراوح بين 220 و242 درجة؛ تماماً مثل طنجرة الضغط التي تمنع الغليان.

لكن عندما يضخ المهندسون هذا الماء فائق السخونة من الآبار إلى الأعلى، ومع اقترابه من السطح، يقل الضغط تدريجياً. وفجأة، يغلي ذلك الماء الذي كانت درجة حرارته 240 درجة، مثل مشروب غازي يُفتح غطاؤه، ويتحول إلى بخار. وتُعرف هذه الظاهرة علمياً بـ"الغليان الفوري".

نتيجة لذلك، يتشكل خليط عالي الضغط من الماء الساخن والبخار الكثيف، يتدفق بسرعة هائلة من فوهة البئر إلى الأعلى، ليكون جاهزاً لتدوير التوربين. تماماً مثل غلاية بخار قاطرة قديمة، ولكن بقوة بركان!

كيف تعمل المحطة؟

نصل إلى قلب الموضوع؛ حيث يتحول ذلك الخليط المتدفق من الماء الساخن والبخار إلى كهرباء قابلة للاستخدام. صمم المهندسون في العالم ثلاث طرق رئيسية لذلك، ويعتمد اختيار كل منها على نوع المائع الخارج من الأرض:

الطريقة الأولى: البخار الجاف (بسيط لكن نادر)

تخيل أن البخار الجاف فقط يخرج من البئر دون قطرة ماء. يذهب هذا البخار مباشرة إلى التوربين ليديره. هذه الطريقة هي الأقدم والأبسط، لكن مشكلتها أن مثل هذه الخزانات نادرة جداً في العالم (مثل بعض الينابيع الشهيرة في كاليفورنيا). وخزان سبلان ليس من هذا النوع، لذا تم استبعاد هذه الطريقة.

الطريقة الثانية: الغليان الفوري (فلاش) - وهي الطريقة المستخدمة حالياً في سبلان

هذه هي التقنية الأكثر شيوعاً في العالم، وهي بالضبط ما تم استخدامه في محطة مشكين شهر بقدرة 5 ميغاواط. عندما يخرج خليط الماء والبخار من البئر، يدخل أولاً إلى جهاز يشبه الغربال يسمى "الفاصل"، والذي يفصل البخار عن الماء الساخن. يذهب البخار المنفصل مباشرة إلى التوربين ليديره ويولد الكهرباء. أما الماء الساخن المتبقي، فلا يزال يحمل حرارة كبيرة، وإذا تُرك كما هو، ستُهدر طاقة كبيرة.

حسب المهندسون أنه في هذه الطريقة البسيطة، يُفقد نحو 41.4% من إجمالي الطاقة القابلة للاستخدام (أي حوالي 4 وحدات من كل 10 وحدات) بسبب الحرارة المهدورة في الماء المنفصل.

ولهذا السبب، صمم المهندسون للمراحل القادمة، التي تهدف لاستغلال قدرة 250 ميغاواط، نسخة أكثر تقدماً: الغليان الفوري ثنائي المراحل؛ أي إعادة إرسال الماء الساخن المتبقي إلى خزان آخر بضغط أقل، ليتحول جزء آخر منه إلى بخار ويدير توربيناً ثانياً. بهذه الطريقة، يُهدر طاقة أقل.

الطريقة الثالثة: الدورة الثنائية (بيناري) - الخيار الأكثر تقدماً للمستقبل

ولكن ماذا لو كان الماء الخارج من البئر ليس ساخناً بما يكفي لإنتاج بخار مفيد مباشرة؟ هنا يستخدم المهندسون حيلة ذكية: بدلاً من إرسال الماء الساخن نفسه إلى التوربين، يمررونه عبر مبادل حراري (مثل مشعاع كبير) لينقل حرارته إلى سائل آخر (مثل غاز أو سائل كيميائي له نقطة غليان أقل بكثير من الماء).

هذا السائل الثاني يغلي قبل الماء بوقت أسرع، ويتحول إلى بخار ويدير التوربين. الميزة الأكبر لهذه الطريقة هي أن الماء الحراري الأرضي لا يتلامس أبداً مع الهواء، ويُعاد حقنه في دائرة مغلقة إلى الأعماق. بالنسبة لسبلان، يُقترح الجمع بين طريقتي "الغليان الفوري" و"الدورة الثنائية" للاستفادة القصوى من البخار الأولي والحرارة المتبقية من الماء.

رابعاً: المواجهة مع الطبيعة؛ عندما يصبح الماء الساخن عدواً للأنابيب

الفرق الكبير بين محطة الطاقة الحرارية الأرضية والمحطة التقليدية هو نوعية الماء المستخدم. ففي المحطات العادية، يدور الماء المكرر والنقي في الأنابيب، بينما في مشكين شهر، يخرج مائع من عمق 3000 متر يشبه "حساءً مالحاً ساخناً". هذا الماء غني بالأملاح المعدنية، وكلوريدات وكبريتات، وحتى غازات مثل ثاني أكسيد الكربون وكبريتيد الهيدروجين. هذا التركيب الكيميائي المعقد يسبب مشكلتين كبيرتين للمهندسين.

المشكلة الأولى: تراكم الرواسب في الأنابيب (مثل ترسبات الغلاية، ولكن بدرجة 180 درجة!)

بالتأكيد رأيت طبقة بيضاء من الترسبات الجيرية في قاع الغلاية أو في أنابيب الماء الساخن في منزلك. في آبار سبلان، يحدث الأمر نفسه ولكن بقوة أكبر. أهم الرواسب التي تهدد الأنابيب هي "كربونات الكالسيوم" أو الحجر الجيري.

وهناك ملاحظة غريبة قد لا تصدقها: عادةً، تزداد قابلية المواد للذوبان في الماء بارتفاع الحرارة (مثل السكر الذي يذوب أسرع في الشاي الساخن). لكن الحجر الجيري يعكس ذلك! أي أنه كلما ارتفعت الحرارة، قلّت ذائبية الحجر الجيري في الماء، وفضل الترسّب. وتسمى هذه الظاهرة "الذائبية العكسية".

تخيل الآن: في عمق الأرض، يكون هذا الماء المالح عند درجة 230 في حالة توازن، ويكون الحجر الجيري مذاباً فيه. ولكن عندما يرتفع هذا الماء إلى الأعلى ويقل الضغط، يتسرب منه غاز ثاني أكسيد الكربون مثل مشروب غازي.

بخروج هذا الغاز، يفقد الماء صفته الحمضية، وتتحول ذرات الحجر الجيري المذابة فجأة إلى جزيئات صلبة، وتبدأ بالالتصاق بجدران الأنابيب. يحدث أكبر قدر من هذا الترسيب عند درجة حرارة حوالي 180 درجة. وإذا لم يتم منعه، ستضيّق هذه الرواسب الأنابيب تدريجياً وتعيق تدفق البخار.

لمواجهة هذه المشكلة، يستخدم المهندسون طريقتين: الأولى ميكانيكية (مثل إرسال أداة حفر داخل الأنبوب لكشط الرواسب)، والثانية كيميائية. في الطريقة الكيميائية، يحقنون "سائلاً مضاداً للترسيب" (مثل منظف قوي جداً) عبر أنبوب رفيع جداً، بدقة في النقطة التي تصل فيها درجة الحرارة إلى 180 درجة داخل البئر.

هذه المادة تمنع التصاق جزيئات الحجر الجيري بجدار الأنبوب، وتمنع تشكل بلورات الرواسب. أصعب جزء في هذا هو أن المادة المضادة للترسيب يجب أن تكون متينة بما يكفي لعدم تحللها أو تعطلها عند حرارة تتجاوز 200 درجة.

المشكلة الثانية: التآكل والصدأ في خطين منفصلين

ولكن المشكلة لا تقتصر على الترسيب. فتآكل هذا المائع المالح يمثل تهديداً خطيراً آخر. ومن المثير للاهتمام أن المائع في المحطة ينقسم إلى خطين منفصلين، وكل منهما يعاني من نوع خاص من الصدأ:

الخط الأول (خط البخار): في هذا المسار حيث يتحرك البخار فقط، يتحد غاز ثاني أكسيد الكربون المصاحب للبخار مع الماء، مكوناً حمضاً ضعيفاً جداً. هذا الحمض الضعيف، مثل تآكل خفيف لكن مستمر، يأكل جدار الأنبوب الداخلي ببطء. رغم أن خطر هذا التآكل قُدّر بـ"متوسط"، إلا أنه لا يزال يحتاج إلى مراقبة مستمرة.

الخط الثاني (خط الماء المالح): هذه القصة أكثر خطورة. هنا يتدفق الماء المالح المنفصل عن البخار، بتركيز عالٍ من أيونات الكلوريد (نفس الملح المسبب للتآكل). تخترق أيونات الكلوريد هذه، مثل إبر دقيقة، نقاط الضعف في سطح الفولاذ، وتحدث ثقوباً مجهرية إبرية في الأنبوب، والتي تكبر بمرور الوقت.

هذا النوع من التآكل يُعرف بـ"التآكل التنقري"، وقُدّر خطره في هذا الخط بـ"مرتفع". أي أنه إذا تم استخدام سبائك عادية، فسيقوم هذا الماء المالح بثقب الأنابيب بسرعة. لذلك، يضطر المهندسون في هذا القسم لاستخدام فولاذ خاص وسبائك مقاومة للغاية (أقل حساسية للملوحة والحرارة) لكسب هذه "المعركة مع الطبيعة".

خامساً: مستقبل هذه المحطة؛ من مختبر صغير إلى مدينة نظيفة

محطة الـ5 ميغاواط الحالية ليست سوى بداية. الهدف النهائي هو الوصول إلى قدرة 250 ميغاواط، وهو رقم يمكن أن يساهم بشكل كبير في توفير الكهرباء النظيفة للبلاد. ولكن للوصول إلى ذلك، يجب إتقان المعرفة التقنية. لحسن الحظ، تعمل شركات إيرانية كبرى مثل "مبنا" على تكييف توربيناتها المصنعة محلياً مع هذه الظروف الخاصة للحرارة الأرضية، لتجنب الحاجة لشراء تقنية أجنبية.

دعونا لا نهدر الحرارة المفقودة!

من أذكى الأفكار التي وضعها العلماء لمستقبل هذه المحطة، ما يُعرف بـ"الاستخدام المتدرج" أو "الشلالي" للطاقة. ببساطة: الماء الساخن الخارج من المحطة بعد إدارة التوربينات تظل درجة حرارته بين 70 و100 درجة. أي أنه لا يزال يحوي حرارة كبيرة، وإذا تم إرجاعه إلى الأرض بهذه الصورة، سيكون ذلك مضيعة.

تخيل الآن أن هذا الماء الساخن المتبقي، قبل عودته إلى الأعماق، يمر عبر أنابيب موضوعة تحت شوارع مشكين شهر لتدفئة المنازل في الشتاء. أو يذهب إلى بيوت محمية كبيرة لزراعة الخيار والطماطم في برد أردبيل القارس. أو حتى إلى أحواض تربية الأسماك للحفاظ على درجة حرارة مناسبة لها. هذا يعني أن المحطة ليست مجرد مولد للكهرباء، بل يمكن أن تصبح القلب النابض لمنطقة زراعية وصناعية. وهذا ما يُسمى "الاستفادة القصوى"، أي استخدام وحدة الطاقة الواحدة عدة مرات.

مختبر ضخم في قلب الجبل

ربما الإنجاز الأهم لهذه المحطة ليس رقم 5 ميغاواط نفسه، بل "المختبر الحي" الذي وفرته للعلماء الإيرانيين. فالجيولوجيون، والميكانيكيون، والكيميائيون، وعلماء المعادن، أصبح لديهم الآن موقع حقيقي لدراسة سلوك الموائع فائقة السخونة والتآكل عملياً.

وباستخلاص الدروس من هذا النموذج التجريبي الصغير، يمكنهم إيجاد حلول أفضل للخزانات الأكبر، وتحويل إيران إلى أحد أقطاب المعرفة الحرارية الأرضية في المنطقة. وهذا يعني خطوة كبيرة نحو مستقبل نستمد فيه جزءاً من طاقتنا ليس من الوقود الأحفوري الملوث، بل من الحرارة النظيفة والدائمة في باطن الأرض.

أهم الأخبار

الأكثر مشاهدة