الكوثر_مقالات
يجمع هذا النموذج بين العمليات العسكرية التكتيكية، وحرب المعلومات النفسية، والضغط الاقتصادي، واستغلال الانشقاقات الداخلية والإقليمية.
الهدف النهائي ليس بالضرورة تغيير النظام عبر هجوم شامل، لما لذلك من تكاليف باهظة على الطرف المقابل، بل إضعاف تدريجي لقدرة الجمهورية الإسلامية ومحور المقاومة على الصمود الاستراتيجي، من خلال خلق دورة متكررة من "ضربة – هدنة – إعادة بناء محدودة – ضربة تالية".
أولاً: المنطق العملياتي: تجميع الأهداف التكتيكية والاستنزاف الداخلي
يسعى العدو، من خلال تصميم دورات متناوبة تمتد من بضعة أيام إلى عدة أسابيع، إلى تحقيق مكسبين في آن واحد:
تجميع الضرر التكتيكي: بالاستفادة من التفوق الجوي، والصواريخ الدقيقة، والإلمام الاستخباراتي، والتنسيق مع الفاعلين الإقليميين، يستهدف في كل دورة أهدافاً رئيسية: مراكز القيادة، والمواقع الصاروخية، والمنشآت المرتبطة بالبرنامج النووي أو المسيّر، وخطوط إمداد محور المقاومة.
التناوب في الشدة والضعف:
يتيح إمكانية تقييم الضرر، وإعادة التموضع، ومنع الدخول في مرحلة الحرب الشاملة.
الاستنزاف الداخلي وعدم الترميم:
تفرض كل دورة اشتباك تكاليف اقتصادية (تضخم، انهيار قيمة العملة الوطنية، تعطيل في صادرات النفط وسلاسل التوريد)، واجتماعية (إرهاق عام واستقطاب داخلي)، وعسكرية (استهلاك الذخائر، وتآكل المعدات، وخسائر بشرية).
تبقى إعادة البناء بعد كل هدنة ناقصة، لأن العقوبات والضغط الدبلوماسي مستمران، وهذه الدورة تتحدى الصمود الاستراتيجي.
ثانياً: المتغيرات الرئيسية المحددة
معادلة التكلفة – الفائدة وفجوة التكنولوجيا:
يُبقي الطرف المقابل تكلفة كل دورة اشتباك منخفضة (باستخدام قاذفات بعيدة المدى، ومسيرات رخيصة، ودعم لوجستي من دول عربية)، بينما ترتفع تكلفة الدفاع والردع بالنسبة لإيران. كما أن التفوق النوعي في حرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي في الاستهداف يتيح إلحاق أضرار غير متماثلة دون تحمل مخاطر متقابلة عالية.
الإلمام الاستخباراتي وحرب الإعلام:
يمكّن الإلمام الاستخباراتي للعدو من اختيار الأهداف بدقة وإدارة السردية. وتهدف حرب الإعلام، عبر إظهار "النصر التكتيكي" وإيهام إيران بالعجز الاستراتيجي، إلى استهداف الصمود الاجتماعي. بالتزامن، يُتابع الحملة الدبلوماسية لعزل إيران بشكل أكبر، خاصة في مجلس الأمن وبمشاركة أوروبية.
دور الدول العربية المطبِّعة والمطبَّع معها:
لا تكتفي بعض الدول العربية بتوفير قاعدة لوجستية واستخباراتية فحسب، بل تعزز، عبر تطبيع العلاقات مع إسرائيل، الجبهة الاقتصادية – السياسية المضادة لإيران. وهذا يضع محور المقاومة تحت ضغط مضاعف، ويضغط على حلفاء إيران الإقليميين (حزب الله، أنصار الله، الحشد الشعبي، وغيرها).
الحفاظ على الأوراق الاستراتيجية وتطويرها:
بالنسبة لإيران، يُعد الحفاظ على القدرة الصاروخية والمسيّرة والنووية كأوراق ردع، وكذلك العمق الاستراتيجي الإقليمي (كمضيق هرمز)، أمراً حيوياً. ويجب النظر إلى كل هدنة كفرصة للترميم الانتقائي وتطوير الدفاع، وليس كعودة إلى ما قبلها. وسيكون التقدم في البرامج المستقبلية كالتخصيب، وتطوير الصواريخ الفرط صوتية، أو تنويع اقتصاد المقاومة، في هذه الفترات، أمراً حاسماً.
الصمود الاقتصادي – الاجتماعي:
ربما يكون هذا المتغير الأهم. فإذا تم الحفاظ على اقتصاد المقاومة، وإدارة التضخم، واستقرار العملة، والتماسك الاجتماعي، تظل دورة الاستنزاف التي يمارسها العدو غير فعّالة. وعلى العكس، فإن أي شقاق داخلي (احتجاجات، خلافات) سيُستغل من قبل العدو كمضاعف.
ثالثاً: التقييم الاستراتيجي والسيناريوهات المحتملة
يمثل هذا النموذج نسخة محدَّثة من "الضغط الأقصى" الممزوج بأداة عسكرية محدودة.
الهدف الاستراتيجي:
تحويل إيران إلى قوة منهكة ومنشغلة بشكل دائم، لا تستطيع دفع أوراقها الإقليمية بفعالية، ولا التقدم نحو إنجازات استراتيجية نووية أو صاروخية.
السيناريو المفضل للعدو:
استنزاف تدريجي دون حرب كبرى، وإضعاف محور المقاومة (خاصة حزب الله وأنصار الله)، وتهيئة الظروف لصفقة من موقع ضعف.
السيناريو المفضل لإيران:
إفشال النموذج عبر إدارة ذكية للتوتر، وتعزيز الردع غير المتماثل، ودبلوماسية نشطة لإحداث شرخ في الجبهة المقابلة (السعودية، أوروبا)، والأهم من ذلك، تعزيز الصمود الداخلي.
في النهاية، الفائز في هذه المرحلة هو من يدير الزمن لصالحه. فالعدو يسعى لتطويل زمن إعادة بناء إيران، بينما يجب على إيران، بالصبر الاستراتيجي، والتماسك الداخلي، والتطوير الذكي للأوراق، أن تدير الدورة لصالحها. فهذه الحرب، أكثر من كونها معركة ميدان، هي معركة الإرادات، والصمود، وإدارة الإدراك.