ويأتي تسليط الضوء على هذا الموقع التاريخي تزامناً مع انعقاد الدورة الثامنة والأربعين للجنة التراث العالمي في مدينة بوسان الكورية الجنوبية، بوصفه أحد أبرز الشواهد على الإرث الحضاري الإيراني وأحد أهم المعالم المعمارية المتبقية من الحضارة العيلامية.
ويقع الموقع على بقايا مدينة دورا أونتاش التي أسسها الملك العيلامي أونتاش نابيريشا في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، لتكون مركزاً دينياً مهماً، وفي قلبها شيدت زقورة ضخمة تعد من أفضل الزقورات المحفوظة في العالم، إذ بلغ ارتفاعها الأصلي نحو 52 متراً، ولا يزال نحو 25 متراً منها قائماً حتى اليوم.
ويتميز الموقع بتخطيط عمراني متقدم يضم ثلاثة أسوار متحدة المركز، إضافة إلى المعابد والقصور والمدافن الملكية والمنشآت الخدمية، في نموذج يعكس مستوى متطوراً من التنظيم العمراني والهندسي في تلك الحقبة.
كما اشتهرت المدينة بمنظومة متقدمة لإدارة المياه، حيث جرى إنشاء قناة بطول يقارب 45 كيلومتراً لجلب المياه من نهر الكرخة، قبل تمريرها عبر أحواض لترسيب الشوائب ثم توزيعها بواسطة شبكة من الأنابيب الفخارية، وهو ما يعده باحثون من أقدم أنظمة تنقية وإدارة المياه المعروفة في العالم القديم.
وعثر علماء الآثار في الموقع على آلاف الطوب المنقوش باللغتين العيلامية والأكدية، والتي وفرت معلومات مهمة عن أساليب البناء والمعتقدات الدينية والنظام السياسي في الدولة العيلامية.
وتعرضت مدينة دورا أونتاش للدمار بعد اجتياحها من قبل الجيش الآشوري في القرن السابع قبل الميلاد، قبل أن تهجر وتدفن تحت الرمال لقرون طويلة.
وفي خمسينيات القرن الماضي، قاد عالم الآثار الفرنسي رومان غيرشمان حفريات واسعة في الموقع، أسهمت في الكشف عن أحد أهم المراكز الدينية للحضارة العيلامية، وأبرزت ما بلغته تلك الحضارة من تطور في مجالات العمارة والهندسة وإدارة الموارد.
ويجسد إدراج جغازنبيل على قائمة التراث العالمي اعترافاً بقيمتها الإنسانية الاستثنائية، بوصفها شاهداً على إنجازات حضارة عريقة أسهمت في تطور العمارة والتخطيط الحضري والهندسة في العالم القديم، فيما تواصل اليوم استقطاب الباحثين والزوار باعتبارها إحدى أبرز الوجهات الثقافية والتاريخية في إيران.