الكوثر -راديو غزة
ليلةٌ من ليالي رمضان، حيث يكتنف الصمتُ الحيّاتِ المدمَّرةَ وتتناثرُ الشموعُ في الأماكنِ التي تذكِّرُ بالمنزل. في قلبِ غزة، هناكَ مبنىٌ قديمٌ صارَ ملاذًا... ملاذٌ لا فرق فيه بين مصلٍّ ومؤمنٍ ولا بين من يرفعُ صَلاتَه ومن يَقِفُ إلى جانبهِ ليمدّ له طبقًا من التمر.
كانَ ذلكَ المكانُ كنيسةً، تُسمّى: كنيسة القديس بورفيريوس. لم يكن الهدفُ الاحتفالَ بالأعياد الآن، بل كانَ إنقاذُ الناسِ من بردِ الليلِ ونارِ الخوف. وفي رمضان، تحوّلَ الفناءُ إلى مَائدةٍ واحدةٍ — مائدةٌ تقاسمَت فيها الأصواتُ والأنفاسُ والصلواتُ والأمل.
أراكم معي — أمٌّ تلوذُ مع طفلَيْنِ بزوجِ الجوارب المبللة، رجلٌ عجوزٌ يضمّ حُرمةً قد تُنفدُ من التعب؛ وفتاةٌ صغيرة تحملُ إبريقَ شايٍ بمعصمٍ يرتعش. كلُّ واحدٍ منهم يحملُ قصّةً، وكانت تلك الليلة قصصَهم تُروى بلا كلماتٍ أحيانًا، بعينٍ تلمعُ أو بكفٍّ تقدّمُ رغيفًا.
اقرأ ايضاً
«لم نكن نتخيّلُ أن نأكلَ معًا في مكانٍ كهذا... لكنّي الآن، وأنا أرى أولادَنا يضحكونَ، أستعيدُ شعورَ بيتٍ صغيرٍ وآمنٍ».
كانَ الصليبُ على جدارٍ واحدٍ، والكُتبُ الدينيةُ على رفٍّ مهترئ، لكنّ ما كانَ أعظمَ من كلّ رموزٍ هو ذلكَ الشعورُ المتبادلُ بالإنسانيةِ. مترانٍ من الصبرِ والكرمِ تداخلَا مع رائحةِ الحساءِ والخبزِ الساخن. المسلمونُ يحنّونَ إلى الأذانِ، والمسيحيُّونَ يهمسونَ بدعاءٍ لأجلِ الجيرانِ. لا أحدٌ يسألُ عن الانتماءِ الآن، لأنّ الجوعَ والخوفَ يجعلانِ القلوبَ أقرب.
في إحدى زوايا الفناء، جلسَ طفلٌ صغيرٌ يحدّقُ في طبقِ التمرِ وكأنّهُ يرى النجومَ بعد طولِ غياب. سألهُ أحدُ الشبانِ: «هل تحبُّ التمر؟» فابتسمَ الطفلُ بخجلٍ وأجابَ: «نعم... وأريدُ أن أُفطرَ مع أبي». كانت كلماتٌ بسيطةٌ، لكنها احتوتْ ما لا تحويهُ آلافُ الكلمات: رغبةٌ في الاستمرارية، في الروتينِ العاديِّ الذي يربطُ الإنسانَ بإنسانيتهِ.
تحدثَ كاهنٌ من الكنيسةِ إلى الحضورِ بصوتٍ يفيضُ رقةً: «نحنُ معًا الليلة. لا فرقَ بيننا أمامَ الجوعِ والخوفِ. لنضعَ أطباقَنا جنبًا إلى جنبٍ، ولندعِ السلامَ يدخلُ قلوبَنا». لم تكن كلماتهُ خطابًا دينيًا فقط، بل كانت عبارةً عن وعدٍ صغيرٍ—وعدٍ باستمرارِ الحياةِ حتى في أصعبِ الظروف.
ومع غروبِ الشمسِ، امتلأَ الفناءُ بصوتِ الدعاءِ والضحكِ والحكاياتِ. أحدُ الرجالِ روى نكتةً بسيطةً فأضحكَ الجميع. ضحكٌ بدا وكأنه يصرخُ في وجهِ الخوفِ: نحنُ هنا، ما زلنا نحيا.
هذه الليلةُ ليستْ عن الانتصارِ العسكري أو الهزيمةِ، بل عن انتصارٍ أصغرَ وأعظمَ في آنٍ واحد: انتصارُ الكرامةِ والرحمةِ. في الأماكنِ المهجورةِ تتلاقى القلوبُ، ويُعلّمُنا الناسُ دروسًا لا تُكتَبُ في الكتب: كيف نشاركُ آخرَ لقمةٍ معنا، كيف نحتضنُ طفلًا خائفًا، كيف نبني من رمادِ الهواجسِ مائدةَ أملٍ بسيطة.
وفي نهايةِ الليلة، حينَ أُطفئتِ الشموعُ وتبدّدَ الخوفُ لحظاتٍ قليلةً، نظرَ أحدهم إلى السماءِ وقالَ بصوتٍ مرتعشٍ: «غدًا سنحاولُ من جديد». كانت كلمةٌ صغيرةٌ لكنها بذرةُ أملٍ تُزرعُ في تربةِ النفوسِ.
هذهَ ليستْ سوى لحظةٍ من لحظاتِ زمنٍ أطولَ بكثيرٍ من الليل. لكنّها تذكرنا أنَّ الإنسانيةَ، عندما تلتقي في لحظةِ حاجةٍ، تُنتجُ ضوءًا لا يخبو. رمضانُ هنا لم يَكن مجردَ صومٍ، بل صارَ درسًا في العطاءِ والتضامنِ — درسًا يقولُ: رغمَ كلِّ الخرابِ، هناكَ دائمًا إمكانيةٌ لِبدايةٍ جديدة.
فلنحملْ هذا الأملَ معنا — لأنّ الأملَ، ولو كانَ صغيرًا، يُغيّرُ الليلَ إلى صباحٍ.