الكوثر_ ايران
حسن بوي بوي، مدير برنامج المعايير في مقرّ تكنولوجيا النانو، قال إن إعداد المعايير يُعد عملية معقدة وطويلة تهدف إلى حماية المصالح الوطنية، مستعرضاً نماذج من المواجهات الدبلوماسية-العلمية، ومشيراً إلى أن اليابان واجهت بكل قوتها المعيار الذي اقترحته إيران في ملف «النانو طين»، حتى إنها أوفدت مؤلفين لكتب مرجعية عالمية لمعارضة المقترح الإيراني، إلا أنها وبعد أربع سنوات من النقاشات الفنية رضخت في النهاية للتعريف الدقيق الذي قدمته إيران.
وأوضح بوي بوي أن إعداد معيار دولي عملية شديدة التعقيد وتستغرق وقتاً طويلاً، مؤكداً أن الدول الرائدة في أي صناعة تضع التقييس في صدارة أولوياتها لضمان تغطية سلسلة القيمة بالكامل. وأضاف أن أهم وظيفة للمعايير هي تسهيل التجارة والتصدير وتبادل السلع، ولا سيما في مجالات المنتجات والتقنيات الحديثة (High-tech)، حيث لم تعد المعايير التقليدية قادرة على تقييم الجودة والسلامة.
وأضاف: عندما تسعى دولة لتصدير منتج جديد، فإن أول سؤال يطرحه الزبون العالمي هو: «وفق أي معيار تم تقييم هذا المنتج؟». لذلك فإن الدول التي تضع التصدير ضمن أولوياتها تُجبر على الدخول في مسار إعداد المعايير، كي تصبح نتائج تقييمها قابلة للاستناد لدى الجهات الدولية المعتمدة.
التقييس.. أداة للدفاع عن المصالح الوطنية
واعتبر مدير برنامج المعايير في مقرّ النانو أن حماية المصالح الوطنية تمثل الركيزة الثانية للمشاركة في المحافل الدولية، قائلاً إن الانخراط في لجان المعايير لا يقتصر على صياغة المعايير فحسب، بل يهدف أيضاً إلى مراقبة أداء المنافسين. وأضاف: إذا قامت دولة بكتابة معيار بطريقة لا تنطبق إلا على منتجها فقط، فإنها عملياً تغلق السوق أمام الآخرين.
وأكد أن حضور الخبراء الإيرانيين في هذه اللجان يضمن الاطلاع على التطورات العالمية، ويحول دون إقرار معايير قد تُعرّض المصالح الوطنية للخطر أو تعيق تصدير المنتجات الإيرانية.
التعلم على حافة المعرفة العالمية
ووصف بوي بوي المشاركة في اجتماعات منظمة «آيزو» بأنها فرصة تعليمية فريدة، مشيراً إلى أن القضايا التي تُطرح خلال إعداد المعايير تقع على «حافة المعرفة». وأضاف أن الخبراء الإيرانيين من الجامعات والصناعة يعملون ضمن شبكة من نخبة المختصين الدوليين ويتعرفون على أحدث التقنيات والمنافسين العالميين، وهو ما يسهم في تطوير معارف ومهارات الشركات الإيرانية.
رواية معركة استمرت أربع سنوات مع اليابان حول «النانو طين»
وفي مثال عملي على تحديات إعداد المعايير، قال بوي بوي إنه قبل سنوات، عندما استثمر مقرّ النانو في مجال «النانو طين» (Nano-clay)، تقدمت إيران بمقترح لإعداد معيار عالمي له. وأوضح أن هذه المادة تُستخدم في صناعات المركبات والبلاستيك ومجالات أخرى، وأن إيران كانت تسعى إلى توحيد خصائصها وطرق قياسها وتعريفاتها ضمن معيار دولي.
وأضاف أن اليابان عارضت المقترح الإيراني بشدة وأرسلت عدداً من الخبراء البارزين لمواجهته، موضحاً أن اليابانيين يمتلكون منجماً ضخماً من «البنتونيت» ويستخرجون تربته ثم يعالجونها ويبيعونها في الأسواق المحلية والعالمية تحت اسم «النانو طين»، إلا أن التعريف الذي قدمته إيران في مشروع المعيار كان يتعارض مع المنتج الياباني.
وأوضح أن اليابان دفعت بخبراء هم من مؤلفي كتب مرجعية دولية، من بينها منشورات «جون وايلي»، أي من أعلى المستويات العلمية، حيث كانوا يثيرون اعتراضات فنية لأن تعريف إيران لمسافة الصفائح النانوية وخصائصها كان سيُخرج المنتج الياباني من نطاق المعيار.
وأشار إلى أن هذا الخلاف العلمي استمر ما بين ثلاث إلى أربع سنوات، قبل أن تقبل اليابان في النهاية بأن يُعتمد تعريف إيران كمعيار أساسي (Part 1)، فيما يُطرح مقترح اليابان ضمن الجزء الثاني (Part 2).
دخول عملاق عالمي لمستحضرات التجميل في مواجهة مع إيران
وأشار مدير برنامج السلامة في مقرّ النانو إلى ملف جديد في عام 2024، قائلاً إن إيران قدمت مؤخراً مقترحاً لتقييس «أكسيد الزنك» (Zinc Oxide) المستخدم في مستحضرات التجميل والعناية الصحية، ما دفع الدول الأوروبية إلى التحرك فوراً.
وأضاف أن شركة «لورال» (L'Oréal)، أكبر منتج لمستحضرات التجميل والعناية الشخصية في العالم، قدّمت اثنين إلى ثلاثة من كبار خبرائها للمشاركة في النقاشات الفنية مع الجانب الإيراني، موضحاً أنهم يتفاوضون حالياً حول تفاصيل مثل حجم الجسيمات والتعريفات الفنية، في مؤشر على أهمية هذا المسار وحجم الدور الذي بات يلعبه الخبراء الإيرانيون.
وأوضح بوي بوي أن إعداد معيار دولي يستغرق عادة بين ثلاث إلى أربع سنوات، مشيراً إلى وجود منافسة شديدة بين الدول المتقدمة للاستحواذ على مقاعد «القيادة» داخل اللجان الفنية. وأضاف أن الشركات العالمية الكبرى، التي تتصدر سوق مستحضرات التجميل، دخلت على خط النقاش دون إعلان مسبق عندما أدركت أن إيران بصدد إعداد معيار قد يهدد مصالحها، بهدف إثارة تحديات فنية لمنع تغيير قواعد اللعبة لصالح طهران.
وتابع أن بعض الشركات الكبرى كانت تستفيد من تكنولوجيا النانو في منتجاتها دون إعلان رسمي، لكنها سارعت للتدخل بمجرد شعورها بأن المعيار المقترح من إيران قد يهدد مصالحها التجارية أو يجبرها على الشفافية.
وأضاف أن التحدي مع هذه الشركات بات جدياً، إذ تدّعي أنها قادة السوق العالمية، كما أن اللجان الفنية ذات الصلة تخضع إلى حد كبير لنفوذها، مؤكداً أن الدول والشركات الرائدة تسعى بكل الوسائل للحفاظ على موقعها القيادي في عملية إعداد المعايير حتى تُجبر الدول الأخرى على اتباعها.
ماراثون من 3 إلى 4 سنوات داخل «آيزو»
ووصف مدير برنامج المعايير في مقرّ النانو عملية إعداد المعايير داخل المنظمة الدولية للتقييس «آيزو» (ISO) بأنها مسار طويل وشاق، مؤكداً أن إعداد أي معيار دولي يستغرق ما بين ثلاث إلى أربع سنوات.
وأوضح أن المعايير تُكتب داخل لجان فنية متخصصة (Technical Committees)، يزيد عددها حالياً عن 300 لجنة فنية في «آيزو»، من لجنة الفولاذ إلى الأصباغ والمنسوجات.
وأضاف أن اللجنة الفنية للنانو (ISO/TC 229) تضم 38 دولة عضواً أساسياً (P-member)، من بينها إيران، إضافة إلى 18 دولة بصفة عضو مراقب (Observer) تتلقى الوثائق دون أن تمتلك حق التصويت أو تقديم المقترحات. ولفت إلى أن عدم المشاركة الفاعلة للدول الأعضاء الأساسيين يؤدي إلى خفض تصنيفها وتحويلها إلى عضو مراقب (Downgrade).
منافسة على السيطرة على الأمانات الفنية
وأشار بوي بوي إلى أن الدول تسعى لتعزيز نفوذها عبر الاستحواذ على أمانات اللجان الفنية، موضحاً أن الدول التي تعطي أولوية لمجال معين تحاول تولي أمانة اللجنة ذات الصلة لتفرض نوعاً من «القيادة» والنفوذ. وأورد مثالاً على ذلك قائلاً إن اليابان قوية جداً في مجال «النانو فقاعات» (Nano-bubbles)، وتسعى عبر السيطرة على الأمانة إلى توجيه معايير هذا القطاع بما يخدم مصالحها.
وحول آلية اعتماد المعايير، أوضح أن العملية تقوم على مبدأ التوافق وتبادل الآراء، حيث تقوم الدول بعد تقديم أي مقترح بدراسته وجمع آراء الجهات المعنية داخلياً من أساتذة الجامعات والشركات والمؤسسات ذات الصلة، ثم إرسال ملاحظاتها الفنية إلى لجنة «آيزو» على شكل «تعليقات» (Comments).
وأشار إلى أن هذا التبادل يستمر ثلاث أو أربع سنوات حتى تُحل جميع الإشكالات الفنية، قبل أن تجري عملية التصويت النهائي، وفي حال حصول المقترح على أغلبية الأصوات يتم نشر المعيار رسمياً.
موقع متقدم لإيران في المؤشرات العالمية
وفي ختام حديثه، قدم بوي بوي إحصاءات حول موقع إيران، مؤكداً أن الجمهورية الإسلامية تحتل المرتبة الرابعة عالمياً في إعداد معايير النانو الدولية من حيث عدد المعايير التي ساهمت في صياغتها، بعد الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان.
وأضاف أن إيران تحتل أيضاً المرتبة الثالثة عالمياً في إعداد المعايير الوطنية لتكنولوجيا النانو، بعد الصين وبريطانيا، من حيث عدد المعايير الوطنية المعتمدة.
وأكد أن هذا الموقع لا يحقق مكاسب اقتصادية وتقنية فحسب، بل يمنح إيران «هيبة» ومصداقية دولية، إذ يعكس أنها ليست مجرد مستهلك للتكنولوجيا، بل تُعد لاعباً قيادياً ومرجعاً علمياً في مجال يقع على حافة المعرفة والتطور التقني.