اخاص الكوثر - ايران الصمود والانتصار
ينتمي السيد القائد إلى سلالة أهل البيت عليهم السلام، وهو ما يمنح هذا الخطاب بعدًا إضافيًا، إذ يخاطب العرب من موقع القرب الروحي والتاريخي، لا من موقع الغربة أو التمايز. وقد عُرف آية الله خامنئي بشغفه العميق باللغة العربية، إذ ارتبط تكوينه الديني والفكري بدراسته الحوزوية المبكرة، وتنقله بين الحواضر العلمية في إيران والعراق، حيث كانت العربية لغة العلم والمعرفة.
اقرأ ايضاً
الرسالة في هذا الخطاب واضحة: العرب ليسوا طرفًا هامشيًا، بل شركاء أصيلون في القضايا الكبرى التي تتصدر وجدان الأمة، وفي مقدمتها قضية فلسطين، ووحدة الأمة الإسلامية، ومواجهة مشاريع الهيمنة. واللافت أن هذا الخطاب العربي لا يرتبط بحدث طارئ أو ظرف استثنائي، بل يتكرر كلما اقتضت الحاجة مخاطبة العرب والمسلمين مباشرة، متجاوزًا الحدود الجغرافية واللغات الرسمية، لتتحول العربية إلى جسر يعيد رسم صورة العلاقة بعيدًا عن منطق الصراع والانقسام.
إن إتقان السيد القائد للغة العربية ليس أمرًا عاديًا أو شكليًا؛ فهي لغة القرآن ولغة أهل الجنة، ولغة تراث حضاري عظيم، تحمل في مفرداتها وقدرتها التعبيرية تأثيرًا خاصًا يصل إلى القلوب قبل العقول. وقد ظهر هذا الإتقان بوضوح في خطاباته، حيث لم يُعرف في العصر الحديث قائد دولة أو أمة يتقن لغة غير لغته الأم بهذا المستوى، ولا سيما العربية، إلى جانب إتقانه التام للغة الفارسية.
ومن الشواهد البارزة على عمق معرفته بالعربية، قيامه قبل انتصار الثورة الإسلامية بترجمة عدد من الكتب الفكرية من العربية إلى الفارسية، من بينها كتاب «العدالة الاجتماعية في الإسلام» للمفكر المصري سيد قطب، ما يعكس انفتاحه المبكر على الفكر الإسلامي في العالم العربي، بما فيه نتاج علماء أهل السنة.
ولا يقتصر تميّز السيد القائد على العربية والفارسية فحسب؛ فأصوله العرقية أذرية (تركية)، ومع ذلك أتقن الفارسية حتى عُدّ من أدبائها، إلى جانب إلمامه بعدد من اللغات الأجنبية. كما كتب بعض أعماله بالعربية مباشرة، ومن أبرزها كتاب «إنّ مع الصبر نصرًا»، الذي دوّن فيه ذكرياته خلال فترة المنفى قبل انتصار الثورة، وقد خضع النص آنذاك لمراجعات لغوية دقيقة مع أحد الأساتذة المختصين بالعربية.
هذا الكتاب تُرجم لاحقًا إلى عدة لغات، من بينها الإسبانية، وجرى توزيعه في بلدان أميركا اللاتينية، في إطار تواصله الفكري مع شعوب تلك المنطقة، ما يعكس بُعدًا عالميًا في خطابه ورسالته.
وفي الختام، فإن تجربة السيد علي خامنئي مع اللغة العربية ليست مجرد إتقان لغوي، بل هي تعبير عن رؤية حضارية، وخيار ثقافي واعٍ، وجسر تواصل حيّ مع الأمة، يستحق التأمل والقراءة، ولا سيما من خلال مؤلفاته المكتوبة بالعربية.