الكوثر_قادمون
وفيما يلي نص كلمة الأستاذ الجامعي الدكتور إسلام أوزكان:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حينما نعود بذاكرتنا إلى الكلمات الأخيرة للقائد الشهيد، ونتأمل في تعبيره العميق عن بعثة الناس، ندرك تماماً أنه لم يكن يطلق مجرد شعار حماسي عابر لتذهب به المشاعر، بل كان يقرأ بعين البصيرة حقيقة تاريخية وسنة إلهية ماضية.
إن البعثة في معناها الأصيل والعميق ليست مجرد حدث تاريخي انقضى في زمن غابر، بل هي حركة استنهاض دائمة للضمير الإنساني، وثورة مستمرة للروح الإيمانية كلما تراكمت ظلمات الاستكبار واشتدت.
لقد رأينا وعبر العالم أجمع كيف أن الدماء الزكية التي سُفكت، والآلام العظيمة التي كابدتها شعوبنا، لم تورث هذه الأمة ضعفاً، ولم تدفعها نحو الاستكانة والخضوع، بل على العكس تماماً كانت تلك الدماء هي الشرارة المقدسة التي بعثت الشعوب من جديد، ونفخت روح المقاومة والعزة في أجيال توهم الأعداء أنها غارقة في الغفلة والهزيمة النفسية.
اليوم، ونحن ننظر إلى امتداد الجغرافيا الإسلامية، نرى نيران هذه الصحوة تتجسد كحق ساطع على الأرض:
لقد رأينا هذه البعثة في إيران، حيث تجسدت إرادة الشعب في الصمود الأسطوري والثبات على المبادئ.
ورأيناها في لبنان، حيث أثبت حزب الله والمقاومة الإسلامية ورجاله الأوفياء أن الإيمان الراسخ واليقين بوعد الله يكسر شوكة أعتى القوى العسكرية، فيحيل أساطيرها إلى الرماد.
ورأيناها في العراق الأبي، حيث لبى الحشد الشعبي نداء المرجعية والضمير، فكان الرد الشعبي الحاسم لحماية المقدسات والدفاع عن الكرامة والأرض.
وتجلت هذه البعثة بأبهى صورها في اليمن العزيز، حيث قدم أنصار الله والشعب اليمني الصامد أروع ملاحم التضحية والفداء، رافضين كل مساومات الذل، وداعمين لقضايا الأمة بلا قيد أو شرط.
وتتوج هذه المشاهد كلها في درة التاج: فلسطين. هناك حيث يقف الفلسطيني المقاوم في الخط الأمامي الأول، يكتب هذا الشعب الجبار بدمائه وصبره وصمود أطفاله ونسائه ملحمة إنسانية وعقائدية تزلزل أركان الظلم العالمي، وتسقط أقنعة الاستكبار.
إن هذه الساحات أيها الإخوة ليست جزراً معزولة أو جبهات منفصلة، بل هي تعبير حي عن وحدة الروح ووحدة المصير، وإعلان صريح بأن السدود الوهمية التي رُسمت لتمزيقنا قد بدأت تنهار.
وهنا نصل إلى جوهر رسالتنا اليوم: إن المرحلة الدقيقة والمفصلية التي يمر بها عالمنا الإسلامي تفرض علينا استحقاقاً أكبر من مجرد التعاطف. إنها تتطلب منا الانتقال العاجل والواعي من مرحلة صحوة الشعوب المتفرقة إلى مرحلة بعثة الأمة المتكاملة، بعثة أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
إن بعثة أمة محمد تعني أولاً وقبل كل شيء إدراكنا العميق بأن التهديد الذي يواجه القدس أو غزة أو صنعاء أو بغداد أو إسطنبول أو بيروت أو طهران هو تهديد واحد، يستهدف استئصال هويتنا، ومصادرة قرارنا، وسلب سيادتنا. إنها تعني أن نتجاوز مربع التعاطف الوجداني المجرد إلى مربع التكامل العملي: الثقافي والسياسي والميداني. يجب أن نخرج من دائرة ردود الأفعال وانتظار ما يفعله بنا الأعداء، لنأخذ زمام المبادرة لبناء مشروع حضاري إسلامي إنساني يرتكز على العدالة، وينبذ الهزيمة، ويرفع راية الحق.
ولكي تبلغ هذه البعثة غايتها، فإن المعركة ليست مقتصرة على الميدان العسكري فحسب، بل إن ساحات الفكر والكلمة والمنصات الإعلامية والندوات الحوارية هي صخور لا تقل أهمية. إن المسؤولية الكبرى تقع اليوم على عاتق النخب والمفكرين والشباب الواعي. دوركم هو تحصين العقول ضد أشرس حرب نفسية وإعلامية تستهدف كسر إرادة شعوبنا وتشويه ثوابتها. دوركم هو بناء جسور التواصل بين أبناء هذه الأمة لردم الفجوات التي صنعها الجهل والتعصب، وتوجيه البوصلة نحو العدو الحقيقي. يجب أن تتحول أفكارنا وحواراتنا ومشاعرنا الجياشة إلى آليات عمل مستدامة تدعم صمود المقاومين، وتكشف زيف المستكبرين، وتؤسس لوعي جماعي يمهد طريق النصر.
في الختام، يجب أن نكون على يقين تام بأن التضحيات الجسام، وعلى رأسها دماء قادتنا الشهداء الزكية، هي النور الذي يضيء دربنا في عتمة الطريق. إن الليلة مهما اشتد حلكتها ومهما طال أمدها، فإن بشائر الفجر قد لاحت في الأفق. فما هذه الاستجابة الواسعة وهذه الروح الوثابة في أوساط شعوبنا إلا الدليل الأقوى على أن هذه الأمة حية ولادة، ولا يمكن إخضاعها.
وكما قال القائد الشهيد بلسان الواثق بوعد الله: «سيتم الناس الأمر». نعم، سيتم الناس الأمر، لأن الشعوب التي تستمد إرادتها من الله لا تُقهر. ولئن كان وعد الله للمؤمنين الصابرين بالاستخلاف والتمكين هو وعد حق لا ريب فيه، فلنتحمل مسؤوليتنا التاريخية، ونضع أيدينا في أيدي بعضنا البعض، لنمضي معاً في مسيرة بعثة الأمة، حتى تستعيد أمتنا مكانتها الشامخة، وتشرق شمس العدالة على العالم أجمع.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.