الكوثر_قادمون
وفيما يلي نص كلمة المفكر والباحث الدكتور يحيى أبو زكريا:
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين.
من نعم الله على البشرية أنه أرسل الأنبياء والرسل ليعرّفوا هذه البشرية بالمولى عز وجل، ويعرّفون البشر بربهم فيقبلون عليه وعلى أحكامه الشرعية وعلى تكاليفه. ولأن المولى عز وجل وضع قاعدة في الوجود تقوم على مبدأ «لا إكراه في الدين»، على مبدأ الاختيار، فقد سجّل التاريخ البشري صراعاً كبيراً بين الحق والباطل، بين العدل والظلم، بين حركة الأنبياء والرسل وحركة الطغاة. وعلى امتداد التاريخ كان الأنبياء والرسل في طليعة المقاومين، في طليعة المجاهدين الذين تصدوا لمشاريع الطغيان واستعباد البشر وظلم الناس. فتميز هذا التاريخ البشري بمبدأ التدافع والصراع، بدأ مع حركة التاريخ وما زال مستمراً إلى يومنا هذا.
وفي الرهان العربي والإسلامي أيضاً، شهد خط طنجة – جاكرتا، خط عرض العالم الإسلامي، صراعاً كبيراً بين حركة الظلم والتي تمثلت في المركزية الغربية وفي الحركة الصهيونية، وبين الشعوب العربية والإسلامية المقهورة والتي استُضعفت على مدى قرون. كان العالم الإسلامي مسرحاً لاستعمار بغيض من أيام البلجيكيين والهولنديين والإسبان، ثم بعد ذلك جاء الفرنسيون والإنجليز إلى عالمنا العربي، وانتهى هذا التاريخ تقريباً ببداية الاستعمار الأمريكي والاحتلال الصهيوني والذي ما زال مستمراً إلى يومنا هذا.
طبعاً اندلعت مقاومات عديدة في البلاد العربية والإسلامية، في المغرب العربي والمشرق العربي، وكانت هذه المقاومات منارات للأجيال. وحتى عندما كان الاستعمار الغربي أو الاحتلال الصهيوني ينجح في وأد مقاومة، تنبعث أخرى. وفي قتل القادة ينبعث قادة آخرون، لأن الله تعالى وبلطفه الخفي يوجب على حركة التاريخ أن تنجب هؤلاء الذين يمثلون شرع الله والمبادئ العادلة ويجسدون العدل الإلهي. ثورات عديدة ومقاومات عديدة وملايين الشهداء في الأرض العربية والإسلامية. وحقيقة لا يوجد رسم دقيق لعدد الشهداء الذين قتلوا ببنادق الاستعمار الغربي، سواء في أفريقيا أو في آسيا أو في أمريكا اللاتينية وما إلى ذلك.
قام الاستعمار على القتل والذبح وإعادة صياغة الهوية العربية والإسلامية.
كان للغرب والصهاينة مشكلة مع الإسلام، وقد اعترف الكثير من الكتاب الغربيين أن الإسلام هزّ كيانهم، وهو الذي كان يملك القدرة على إزالة وجودهم وتحطيم إمبراطوريتهم وأحلامهم، أي أنه وقف سداً منيعاً ضد الظلم الذي كان عنواناً للمركزية الغربية، والتي قامت على نظرية الإنسان المتفوق أو الإنسان الأبيض الذي يجب أن يحكم العالم. وأفضى ذلك إلى ميلاد عنصريات تسببت في قتل الملايين من جنوب أفريقيا في رأس الكاب إلى أقصى العالم الإسلامي.
في هذه الأثناء، وفي خضم توجه بعض العرب للتطبيع مع الكيان الصهيوني، العدو اللدود للعالم العربي والإسلامي، وتجسد ذلك من خلال زيارة محمد أنور السادات إلى فلسطين المحتلة والتوقيع على تطبيع بين الكيان العبري ومصر، ومصر أكبر دولة عربية وفيها نسمة متفوقة — هذا التطبيع كسر ظهر العرب والمسلمين حقيقة.
طبعاً جيمي كارتر في مذكراته يقول: عندما أخذنا مصر إلى التطبيع انهار العالم العربي. وبالفعل شكّل التطبيع المصري انهياراً سياسياً في العالم العربي.
في هذه الأثناء تبرز الثورة الإسلامية المباركة في إيران، والتي كانت حقيقة لطفاً إلهياً، أعادت الإسلام، أعادت إحياء الإسلام، أعادت مبدأ العزة إلى المسلمين، وأعادت مبدأ الثورة على الظلم والظالمين، وصححت البوصلة ورسمت المخطط من جديد: أمريكا شيطان أكبر، إسرائيل شيطان أكبر. وبدأت حركة الإحياء الإسلامي في الجغرافيا الإسلامية.
لعبت هذه الثورة الإسلامية في إيران دوراً كبيراً في إعادة العرب والمسلمين إلى عصور المقاومات والتفاني من أجل الأوطان والذود عن حياض الأوطان والذود عن الإسلام. وبدأنا نرى تلك المقاومة الشرسة في فلسطين. رأيت أن الثورة الإسلامية في إيران جعلت فلسطين أولوية، ورأينا المقاومة الإسلامية في لبنان كيف أبدعت وأنتجت التحرير في جنوب لبنان، وهو أول تحرير تنجح فيه مقاومة فيما أخفقت الجيوش العربية سابقاً في مواجهة الكيان العبري.
رأينا هذا الإحياء في اليمن عندما قام أنصار الله بتلقين أمريكا دروساً وسند الشعب الفلسطيني ووجهوا صواريخهم إلى تل أبيب والمدن الصهيونية.
ورأينا هذا الإحياء في العالم العربي وفي العالم بشكل عام، وخصوصاً عندما تم الاعتداء على إيران: سقطت السردية الأمريكية، سقطت السردية الإسرائيلية في عقر دار الصهاينة.
لقد اشتغل الصهاينة على تهويد أوروبا وتهويد أمريكا برمتها، فأنتج ذلك أجيالاً جديدة في أمريكا تناهض السياسة العنصرية الصهيونية في كل المستويات: إعلاماً وتعليماً وغناءً وطرباً. رأينا الكثير من المغنيين في الغرب يهتفون لفلسطين وسط مئات الآلاف من المتابعين. وهكذا شكّل هذا الإحياء أملاً للمسلمين حتى ينهضوا ويمارسوا دورهم الحضاري في العالم الإسلامي، وأيضاً شكّل هاجساً للأمريكيين والصهاينة، ولذلك أجمعوا على ضرب إيران وكسر شوكتها وإنهاء مشروعها. وإن شاء الله لن يوفقوا في ذلك أبداً.
نسأل الله تعالى أن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يخرج المسلمين من كبوتهم وضعفهم، وأن يصبحوا سادة وقادة وصنّاع الحدث في المسرح الدولي.
نستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه. هذا يحيى أبو زكريا معكم، أفكر من الجزائر، دمتم لنا جميعاً.