شاركوا هذا الخبر

اصطياد مسيّرات "ريبر" في سماء الخليج الفارسي؛ من MQ-9 إلى MQ-Gone

كثرت عمليات اصطياد الطائرات المسيرة الأمريكية المتطورة من نوع MQ-9 على يد إيران في الآونة الاخيرة إلى درجة أن المتحدث باسم الحرس الثوري يسميها "MQ-Gone".

اصطياد مسيّرات "ريبر" في سماء الخليج الفارسي؛ من MQ-9 إلى MQ-Gone

الكوثر_ايران

بالتزامن مع تصاعد الاشتباكات مجدداً بين القوات المسلحة الإيرانية والجيش الأمريكي الإرهابي في جنوب البلاد، ولا سيما في نطاق مضيق هرمز والخليج الفارسي، بدأت موجة جديدة من إسقاط الطائرات المسيرة الأمريكية للاستطلاع والقتال MQ-9 وMQ-1 على يد منظومات الدفاع الجوي الإيرانية؛ وهي طائرات كانت في السنوات الأخيرة إحدى الأدوات الرئيسية للجيش الأمريكي في الاستطلاع والمراقبة وتنفيذ العمليات في مناطق مختلفة.

وبحسب التقارير المنشورة، تم حتى الآن اعتراض وتدمير نحو 56 طائرة مسيرة من طراز MQ-9 وما يقارب 15 طائرة من طراز MQ-1 على يد وحدات الدفاع الجوي للقوات المسلحة الإيرانية.

إن استمرار هذا المسار وارتفاع عدد الطائرات المسيرة المُسقطة، أدّى مؤخراً إلى رد ساخر من العميد حسين محبي، المتحدث باسم حرس الثورة الإسلامية. فقد استخدم في رسالة على وسائط التواصل الاجتماعي عبارة "MQ-Gone" بدلاً من عنوان MQ-9.

وكلمة Gone في اللغة الإنجليزية تعني المفقود أو المختفي أو الزائل؛ وهي لعبة لغوية تحوّل، بالإشارة إلى خسائر الطائرات الأمريكية، اسم Reaper (الحاصد) إلى Gone (المفقود) على نحو ما.

ومع ذلك، فإن مراجعة الإحصاءات والتقارير المتعلقة بخسائر هذه الطائرة في السنوات الأخيرة تُظهر أن المسألة تتجاوز مجرد تورية إعلامية؛ فقد واجه أسطول MQ-9 الأمريكي في عدة مناطق عملياتية خسائر كبيرة، وقد أضافت تطورات الأشهر الأخيرة إلى أبعاد هذه المسألة.

روايات مختلفة عن أسطول "ريبر"، كل منها مروّع بطريقته

في 22 مرداد من العام الجاري، أعلنت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية في تقرير نقلًا عن ثلاثة مسؤولين دفاعيين أمريكيين أن نحو 25% من أسطول طائرات الاستطلاع والقتال MQ-9 التابعة للقوات الجوية الأمريكية، أي ما يقارب 45 طائرة، قد دُمّر خلال الحرب مع إيران.

بطبيعة الحال، لا تقتصر خسائر MQ-9 على المواجهة مع القوات المسلحة الإيرانية؛ فمراجعة الوثائق المصوّرة المؤكدة من عام 2017 حتى الآن تُظهر أن هذه الطائرة استُهدفت أيضاً في عدة ميادين عملياتية أخرى.

\

وبحسب هذه الوثائق، أسقطت حركة أنصار الله اليمنية 32 طائرة MQ-9 في سماء اليمن، كما استهدفت قوات المقاومة الإسلامية العراقية طائرتين من هذا النوع، واستهدفت قوات مرتبطة بجماعة فاغنر في ليبيا طائرتين أخريين.

حطام طائرة "ريبر" المُسقطة في اليمن

وباحتساب هذه الحالات والخسائر المبلغ عنها في الحرب الأخيرة، يصل مجموع طائرات MQ-9 المُسقطة منذ عام 2017 حتى الآن إلى نحو 92 طائرة؛ وهو إحصاء يقدم صورة عن الضغط العملياتي الواقع على إحدى أهم منصات الاستطلاع والقتال الأمريكية.

وتتضح أهمية هذه الأرقام أكثر عندما نقارنها بحجم الأسطول العملياتي الأمريكي. فقد أعلنت مصادر أمريكية في مايو من العام الميلادي الجاري أن مجموع طائرات MQ-9A لدى القوات الجوية والحرس الوطني الجوي الأمريكي يبلغ نحو 135 طائرة.

وإذا اعتمدنا هذه الإحصاءات والأرقام المتعلقة بالخسائر، فإن حجم الضرر الواقع على أسطول "ريبر" سيكون كبيراً. وفي هذا الإطار، فإن دخول طائرات MQ-1C Gray Eagle في بعض المهام، فضلاً عن سعي القوات الجوية الأمريكية لإيجاد بديل أرخص لعائلة "ريبر"، من التطورات التي يمكن دراستها إلى جانب الخسائر العملياتية لهذا الأسطول.

الضغط على أسطول الاستطلاع الأمريكي مستمر

لا تقتصر أهمية إسقاط الطائرات الأمريكية على القيمة المالية لكل طائرة أو تكلفة استبدالها. فالمسألة الأساسية هي الدور الذي تؤديه هذه الطائرات في سلسلة المعلومات والعمليات في الجيش الأمريكي.

خلافاً للتصور العام، فإن الأقمار الصناعية للاستطلاع والطائرات المأهولة بعيدة المدى ليست وحدها قادرة على تلبية جميع الاحتياجات الأمريكية المعلوماتية والمراقبة في منطقة عملياتية. فما زالت واشنطن بحاجة، لمراقبة التحركات بشكل مستمر واستهداف الأهداف وجمع المعلومات الدقيقة، إلى وجود منصات طيران على مسافة أقرب من المناطق المستهدفة.

والطائرات المسيرة مثل MQ-9 تغطي بالضبط جزءاً من هذه الفجوة. فهي، ببقائها الطويل في السماء، توفر إمكانية المراقبة المستمرة للمناطق الحساسة ونقل المعلومات إلى مراكز القيادة. غير أن الاقتراب من المناطق المشمولة بالدفاع الجوي الإيراني يزيد أيضاً من خطر استهداف هذه الطائرات.

من هذا المنظور، فإن استمرار إسقاط الطائرات الأمريكية يمكن أن يؤثر على إحدى أهم القدرات العملياتية للجيش الأمريكي، أي ISR. وهذا المفهوم، وهو اختصار Intelligence, Surveillance and Reconnaissance، يشمل مجموعة من القدرات المعلوماتية والمراقبة والاستطلاع.

إن الاضطراب في هذه السلسلة يمكن أن يؤدي إلى ظهور فجوات معلوماتية في ميدان المعركة؛ فجوات تؤثر على استهداف الأهداف ومراقبة التحركات واتخاذ القرار العملياتي. وفي الواقع، فإن جزءاً من النمط القتالي للجيوش الغربية يقوم على الوصول المستمر إلى معلومات ميدان المعركة والفهم الدقيق لتطوراته، وإضعاف هذه القدرة يمكن أن يرفع كلفة العمليات.

358 مشغولة جداً بالحصد

إلى جانب إحصاءات خسائر الطائرات الأمريكية، فإن مراجعة الصور المتعلقة ببعض الاصطيادات الأخيرة لدفاع الحرس الثوري تلفت الانتباه مرة أخرى إلى إحدى منظومات الدفاع الجوي الإيرانية المختلفة: المقذوفات من سلسلة 358 و359.

إن السرعة المنخفضة نسبياً لهذه المقذوفات مقارنة بالصواريخ الاعتراضية التقليدية هي إحدى الخصائص التي يمكن ملاحظتها في الصور المنشورة لبعض الاشتباكات. ويمكن أن تكون هذه الخاصية مؤشراً على استخدام عائلة 358 أو 359؛ وإن كان تحديد الطراز الدقيق للسلاح من الصور وحدها غير ممكن.

إن منظومة 358 هي في الواقع نوع من الذخائر الدفاعية الكامنة التي تقوم بعد إطلاقها بدوريات في نطاق عملياتي محدد. وتستخدم هذه المقذوفة باحثها الخاص للبحث عن الأهداف الجوية، وبعد تحديد الهدف تغيّر مسارها نحوه.

إحدى الخصائص المهمة لهذه المنظومة هي اعتمادها على المستشعرات البصرية في عملية التحديد والاشتباك. وخلافاً لكثير من منظومات الدفاع الجوي التقليدية التي تستخدم الموجات الرادارية للكشف والتوجيه، فإن استخدام باحثات سلبية في هذه العائلة يمكن أن يقلل من احتمال كشف المقذوفة نفسها واعتراضها من قبل منظومات الإنذار الراداري للعدو.

هذه الخاصية، إلى جانب قدرة الدوريات، جعلت من 358 سلاحاً مختلفاً في مجال مواجهة الأهداف الجوية، ولا سيما الطائرات المسيرة.

إلى جانب هذه العائلة، فإن منظومة الدفاع الجوي "مجيد" هي أيضاً من معدات الدفاع الجوي الإيرانية التي تُستخدم في مواجهة الأهداف الطائرة والطائرات المسيرة. ومجموع هذه المنظومات من القدرات التي يجب أخذها في الاعتبار عند دراسة القدرة الدفاعية الإيرانية ومواجهة الطائرات الأمريكية للاستطلاع والقتال.

استمرار المنافسة الاستنزافية؛ مسألة تتجاوز ثمن الطائرات المسيرة

إن الإسقاط المتتالي للطائرات الأمريكية لا يعني فقط فقدان معدات بعشرات ملايين الدولارات. فكل طائرة مسيرة مفقودة تُخرج أيضاً جزءاً من القدرة العملياتية والمعلوماتية والمراقبة الأمريكية من الميدان؛ قدرة لا يمكن استبدالها بمجرد شراء طائرة جديدة، بل تحتاج إلى وقت وقوة بشرية وبنى تحتية عملياتية.

في مثل هذه الظروف، السؤال الرئيسي هو: إلى متى يمكن لأمريكا أن تواصل استخدام طائرات الاستطلاع والقتال باهظة الثمن في النطاق العملياتي المشمول بالدفاع الجوي الإيراني؟

إن استمرار هذا المسار يضع واشنطن أمام معادلة صعبة: فهي تحتاج من جهة إلى الحفاظ على التغطية المعلوماتية والمراقبة في المناطق الحساسة، ومن جهة أخرى فإن الحضور الأقرب لطائراتها المسيرة في هذه المناطق يمكن أن يؤدي إلى زيادة الخسائر واستنزاف الأسطول.

وبهذا، لم تعد قصة MQ-9 مجرد حكاية إسقاط بضع طائرات مسيرة؛ بل هي جزء من المنافسة على الحفاظ على التفوق المعلوماتي والجوي في ميدان المعركة؛ منافسة تتخذ كلفتها بالنسبة لأمريكا، مع كل طائرة مُسقطة، أبعاداً جديدة.

أهم الأخبار

الأكثر مشاهدة