شاركوا هذا الخبر

الشيخ حسن الكتاني: الأمة لن تنهض إلا بالأخذ بأسباب القوة وإعداد العدة والجهاد

رئيس رابطة علماء المغرب: ما أصاب المسلمين من احتلال وتفكك كان بسبب تركهم أمر الله في إعداد القوة، والقوة اليوم هي الرمي والمسيّرات

الكوثر_قادمون

وفيما يلي نص كلمة رئيس رابطة علماء المغرب الشيخ حسن الكتاني:


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:
إخواني الكرام، بارك الله فيكم، سلمكم الله، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يشهد لنا عز الإسلام والمسلمين، وأن يسدد ويوفقنا لأن نكون عوناً في هذا النصر المبين، ونرى موعود الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾.


كانت الأمة الإسلامية في أول عهدها أمة مزدهرة عظيمة، لأنها عملت بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. عمل المسلمون بهذا، فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وأقاموا شرع الله، وكانت سوق الجهاد قائمة بينهم، ففتحوا الفتوحات حتى وصل الإسلام من أقصى الأندلس إلى تخوم الصين شرقاً، ومن أدغال أفريقيا إلى أسوار فيينا في أوروبا. هذه الفتوحات ما كانت لتكون لولا أخذ المسلمين بأمر الله سبحانه وتعالى بإعداد العدة والتقوي والجهاد في سبيل الله عز وجل.


إلا أن الأمة الإسلامية ران عليها ما ران على الأمم السابقة، فطال عليهم الأمد وقست قلوبهم ونسوا عن دين الله عز وجل، فكثرت بينهم البدع والانحرافات عن شرع الله وعن كتاب الله سبحانه وتعالى، وتقاعسوا وأهملوا أمر الله سبحانه وتعالى في إعداد العدة وأخذ الحذر من أعداء الله عز وجل، فسلط عليهم أعداء الله عز وجل وتسلط عليهم الكفار، حتى إنهم في القرن الماضي ما تركوا بلداً من بلاد المسلمين إلا واحتلوه، ولم يبقَ إلا بلدان قليلة هنا وهناك حافظت على استقلالها، وإلا فجمهور بلاد المسلمين احتُلت من قبل أعداء الله عز وجل، حتى إنهم تقاسموا أرض المسلمين كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كقسمة الأكلة إلى قصعتها». وهذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ولا يوقعن الله الوهن في قلوبكم»، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الجهاد»، وفي رواية: «وقراءة القتال».


فهذا الحال وهذا الأمر أدى إلى ضياع استقلال بلاد المسلمين، وإلى ظهور فكرة الإصلاح بين النخب الإسلامية. فكرة الإصلاح هذه قام بها رجال من الأمة الإسلامية، علماء وغيرهم، في المشرق والمغرب، كل في بلده، ومنهم من التقى بالآخرين، وكل حاول الإصلاح. فمنهم من قال إن الاصلاح سببه أن ما حدث للأمة الإسلامية كان بسبب بعدها في عقائدها عن كتاب الله عز وجل، وقال آخرون إن السبب في ذلك هو عدم التزامهم بدين الله عز وجل، وقال آخرون هو في تركهم الأخذ بالقوة، إلى غير ذلك. والواقع أن هذا كله صحيح، والواقع أن هذا كله صحيح.


ولذلك نتج عن تلك الدعوات تكوّن جماعات في المشرق والمغرب هنا وهناك، وهي مصداق حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها». وقال العلماء إن هذا المجدد ليس بالضرورة أن يكون شخصاً واحداً، فقد تكون جماعة، وقد يكون شخصاً واحداً، وقد يكون أشخاصاً متعددين، كل في جانب من الجوانب. وكذلك كان الأمر، حتى تكونت جماعات هنا وهناك تدعو إلى الإصلاح وإلى تطبيق شرع الله وإلى الجهاد في سبيل الله وإلى طرد المحتل من بلاد المسلمين، حتى نالت الأمة استقلالها.


لكن هذا الاستقلال الذي نالته الأمة الإسلامية، مع الأسف الشديد، كان استقلالاً شكلياً ظاهرياً، فإن الأعداء عندما سحبوا من أرض المسلمين تقاسموا الكعكة، وفرقوا أرض المسلمين بينهم شذر مذر، فبعد أن كانت الأمة أمة واحدة أصبحت دويلات متفرقة، كل دولة تظن أنها هي الأصل وعليها المدار، وأدى ذلك إلى تقاتل المسلمين فيما بينهم، وإلى أن يصبحوا أدوات وظيفية لأعدائهم. وهكذا كان، فأصبحت هذه الدويلات مجرد أدوات وظيفية للاحتلال السابق، ينهب خيرات كل بلد ويطبق عليها قوانينه ولغته وحضارته، حتى كادت تضيع لغات المسلمين وحضارتهم.


لكن من جديد يبعث الله لهذه الأمة ما يجدد لها أمر دينها. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها»، والغيث لا يُدرى خير أوله أم آخره. فأكرم الله عز وجل الأمة الإسلامية بعلماء ربانيين أقاموا دين الله عز وجل في أنفسهم وفي من حولهم، واجتهدوا في ذلك اجتهاداً كبيراً، فنتج عنهم تيارات إسلامية واعدة دعت إلى الأخذ بالقوة وإلى إرجاع عز الإسلام والمسلمين، ومنهم من مكّنه الله في بعض أراضي المسلمين، إلى أن تطور الأمر إلى هذه الحروب التي نراها اليوم.


والحاصل أن الله سبحانه وتعالى أمرنا بأخذ القوة، فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾.

 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إن القوة الرمي». والرمي في القديم كان بالنبال، وكان بالسهام والرماح، وأما اليوم فالرمي هو بالمسيّرات وبالصواريخ. فالأخذ بهذا أخذ بكتاب الله عز وجل.

وإن الأمة الإسلامية لن تنهض إلا إذا أخذت بأسباب القوة، حتى لا يتجرأ عليها عدو ولا يطمع فيها. فإننا نعيش اليوم في غابة من الغابات، وهذه الغابة لا يعيش فيها إلا القوي، والعالم لا يحترم إلا القوي. والقوة هي بالرمي والجهاد في سبيل الله وإعداد العدة اللازمة، وعدم التسرب بسربال أعداء الله عز وجل، وعدم موالاتهم.

قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾.


وروى مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر الجهني: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي». فهذا الحديث يبين أن القوة في حقيقة الأمر هي القصف والرمي وما إلى ذلك. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «كل شيء من لهو الدنيا باطل إلا ثلاثة، فإنها من الحق»، وهذا الحديث رواه الحاكم في مستدركه وصححه.


والحاصل أن هذا هو أعظم أسباب القوة، وهو الذي سيرجع المسلمين إلى عزهم وإلى كرامتهم، ويجعلهم أكبر أمة وخير أمة أخرجت للناس كما كانوا من قبل.


أسأل الله سبحانه وتعالى انتصار الإسلام والمسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.

أهم الأخبار