الكوثر_قادمون
وفيما يلي نص كلمة عضو المجلس المركزي لحزب الله الشيخ حسن البغدادي:
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، وقال تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، وقال أيضاً: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
هنا أحببت أن نبدأ بالعديد من النماذج القرآنية على اختلاف المقصود من هذا الخطاب المتنوع؛ إن الله تعالى يخاطب الأمة، وقد يخاطب العالم. وإن ظهور الدعوة الإسلامية في نقطة محددة لا يتنافى مع هذا الخطاب العام لكل الأمة أو لكل العالم. في صدر الدعوة الإسلامية كانت الدعوة منحصرة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، ولكن كانت آثارها وتداعياتها والمقصود منها أن تطالب كل الأمة في المنطقة والعالم بأسره ليبلغه على الدين كله.
بناء على هذا، فإن المقصود من هذا الكلام أن الدعوة الإسلامية عندما تظهر في مكان وتنتصر، فإنها سوف تعمل على الاستيقاظ والاستنهاض والانتماء والدعوة إليها في كل المجتمعات الإنسانية، من دون أن تكون ناظرة على خصوصية المكان والزمان في تلك المرحلة. هذا نفسه ما يحدث اليوم.
ما يحدث اليوم عندما انتصرت الجمهورية الإسلامية بقيادة الإمام الراحل السيد الخميني رضوان الله تعالى عليه عام 1979، لم تبقَ آثار هذا الانتصار فقط في داخل الجغرافيا في إيران، وإنما انعكس على كل المنطقة: على لبنان، على العراق، على تونس، على الجزائر، على المغرب، على مصر، باكستان، أفغانستان، في كل المنطقة انعكس هذا الانتصار عليها. وحتى أنا شخصياً عندما كنت أذهب إلى بلاد الغرب، كنت أرى الجاليات التي كانت تسكن في بلجيكا، في ألمانيا، في فرنسا، في مختلف البلاد الغربية، تأثرت بهذه الثورة المباركة، وانعكس سريعاً عليها، حيث عادت إلى دينها وإلى قيمها وإلى إسلامها، وبدأت تبحث عن الحقائق.
لهذا، عندما يشن الأعداء أيضاً بالمقابل عدواناً على مركز هذه الأمة، مركز القرار في هذه الأمة، أو يقتلون قادة كبار كما فعلوا بعد 7 تشرين الأول، عندما قتلوا أيضاً قادة من المقاومة الإسلامية، وقتلوا سيد شهداء الأمة حسن نصر الله، والشهيد الإمام قائد الثورة الإمام السيد الخامنئي، وقيادة الحرس ومسؤولين — هذا لم ينعكس ضعفاً على المسلمين في العالم أو على بقية شعوب العالم أو على الأمة الإسلامية بالتحديد، على العكس تماماً. هذا القتل أعطاها قوة، وأعطاها حضوراً، وأعطاها توحداً، وهذا ما نجده في الحربين الكبيرتين التي خضناها مع الإسرائيلي، أو مع الإسرائيلي والأمريكي مدعومين مع بعض من الحلفاء في المنطقة. لم يشكل هذا القتل وتشكّل هذه الحروب وهذا العدوان مشروع هزيمة، إنما شكّل مشروع حضور واستعداد وتهيؤ.
لذلك، بعد قتل القادة في شهر رمضان الماضي، الأمة في إيران استيقظت مجدداً منذ ذلك التاريخ، يعني منذ شهر رمضان وإلى اليوم. عندما تأتي إلى إيران تجد في كل شوارع إيران — ليس في قم أو طهران فقط، في كل شوارع إيران — المجتمع الإيراني في الشوارع منذ غروب الشمس وإلى ما بعد منتصف الليل. لماذا هذا الحضور القوي؟ هذا الحضور القوي يأتي رداً على الأمريكي وعلى الإسرائيلي: أنك بقتلك لقائدنا والمسؤولين في الجمهورية الإسلامية وبعض الأمور تدمر — إذا كنت تعتقد أن هذا سيهزم الشعب الإيراني، أنت مخطئ، هذا سيشد من حيويته أكثر حضوراً وأكثر قوة وأكثر من نفسه.
ما حدث في هذا، نفسه ما يجري اليوم في اليمن.
اليوم ما يجري في اليمن أيضاً يشكل منعطفاً قوياً ومهماً وجديداً في إطار الاستنهاض على مستوى الأمة. ما يجري مع حزب الله في لبنان من هذا الصمود الأسطوري بعد قتل سيد شهداء الأمة، وما يجري في العراق من تأمر كبير على المقاومة فيها — كل ذلك يدل على أن صمود الشعوب ووعي الشعوب ونهضة الشعوب سوف تكون أكثر حضوراً وقوة بعد قيامتها.
وهذا أيضاً ما شاهدناه في فلسطين المدمرة، في غزة، والجائحة والجوع الذي يعيشه شعبها في غزة، وقتل القادة والكوادر والآلاف من الشهداء في غزة — عشرات الآلاف من الشهداء — ولكن لا زال السلاح بيد المقاومة، وإلى اليوم الإسرائيلي لم يتمكن من تحقيق أهدافه، ولا أمريكا تمكنت من تحقيق أهدافها.
ماذا يفعلون مع إيران؟ ماذا يفعلون مع محور المقاومة؟ هل يذهبون إلى التفاهم بشروط إيرانية؟ وهذا معناه الهزيمة الكاملة. هل يذهبون إلى الحرب مجدداً مع إيران ومحورها؟ وإذا ما ذهبوا مجدداً إلى الحرب مع إيران ومحورها، من يضمن لهم أنهم لن تكون أوضاعهم أسوأ مما كانت عليه في الحرب الماضية؟ وإن هذه الهزيمة في هذه المرة لم تُلحق بالامريكيين فقط بشكل مؤثر وواضح، إلى حد لن تقوم لهم قائمة بعد اليوم. وحينئذٍ ستكون إيران ومحور المقاومة هي السيدة وهي الرائدة في المنطقة وفي المستقبل من الأيام.
لهذا، قتل القادة، قتل قائد الأمة، قتل سيد شهداء الأمة، قائد الشهيد سليماني — كان في بداية الأمر من يؤسس إلى هزيمة؟ من أسس إلى هزيمة؟ كانوا يعتقدون أن إيران تخاف أن تطلق رصاصة واحدة على إسرائيل أو صاروخاً على إسرائيل، وتبين أنها تمتلك الجرأة أن تدمر القواعد الأمريكية في المنطقة، وأن تلاحقهم بقتال كما فعلت في الأردن وفي شمال العراق، وأيضاً كما فعل حزب الله مع الكيان الإسرائيلي. وإيران أطلقت عشرات بل مئات الصواريخ الباليستية على الكيان الإسرائيلي، وهناك الدمار الهائل والخسائر الكبرى التي لم يُعلن عنها.
إذاً، نهضة الشعوب، نهضة الأمة، سوف تكون أكبر كلما قتلوا، وكلما أعلنوا حفلهم، وكلما قتلوا من قيادتنا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.