الكوثر_مقالات
قسم الشؤون الدولية: في الأشهر الأخيرة، برز سؤال في وسائل الإعلام والأوساط التحليلية الأجنبية مراراً، وهو: لماذا تصر إيران على إدارة هذا المضيق والاضطلاع بدور فيه، ولا تقبل بالتخلي عن هذه الأداة الاستراتيجية؟ والإجابة تكمن في مزيج من العوامل التاريخية والأمنية والجيوسياسية؛ عوامل جعلت النظرة الإيرانية إلى هذا الممر ليست اقتصادية فحسب، بل جزءاً من معادلة الأمن الوطني.
فمن المنظور الإيراني، أثبتت تجربة السنوات الأخيرة أن الاعتماد على الاتفاقات السياسية وحدها لا يضمن الأمن. فانسحاب إدارة دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، وعودة العقوبات الموسعة، ثم تصاعد التوترات العسكرية، عززت القناعة في طهران بأن حتى الاتفاقات الدولية، من دون آليات ضمان، يمكن أن تتأثر بتغير الظروف السياسية في واشنطن.
وتعززت هذه النظرة بعد الهجوم العسكري الأميركي والإسرائيلي على إيران في وقت كانت المفاوضات النووية جارية. فمن وجهة نظر طهران، أثبت ذلك أن التفاوض وحده لا يمنع استخدام الأدوات العسكرية ضدها. وبناءً عليه، أصبح الحفاظ على قدرات ترفع كلفة أي عمل عسكري ضد إيران، أحد المحاور الأساسية في استراتيجية الردع.
كما أشارت صحيفة نيويورك تايمز في تحليل لها إلى هذه المسألة، وكتبت أن حسابات قادة إيران بشأن مضيق هرمز، في ضوء تجربة الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي والهجوم أثناء المفاوضات، بسيطة: طهران ستحتفظ بهذا الممر كأداة للحصول على ضمانات ومنع تكرار إجراءات مماثلة. ونقلت الصحيفة عن "إسفنديار باتمانقليج"، المحلل الاقتصادي، تأكيده أن قادة إيران قد تشاؤموا تجاه المكاسب المحتملة للدبلوماسية مع إدارة ترامب، لأن التجربة الماضية، من وجهة نظرهم، أثبتت أن الاتفاق من دون ضمانات تنفيذية لا يوفر أمناً مستداماً.
لا تقتصر أهمية مضيق هرمز لإيران على موقعه الجغرافي فحسب، بل هو واحد من الأدوات الجيوسياسية القليلة التي تتيح لها لعب دور مؤثر في المعادلات الإقليمية والدولية. فالدولة التي تواجه ضغوطاً اقتصادية وتهديدات عسكرية، من الطبيعي أن تسعى للحفاظ على أدوات تمكنها من مواجهة الضغوط الخارجية.
ففي المنطق الاستراتيجي الإيراني، لا تنحصر القوة في القدرة العسكرية المباشرة، بل هي مجموعة من القدرات السياسية والاقتصادية والجغرافية والأمنية التي تتيح خلق رادع. ويعد مضيق هرمز أحد أهم عناصر هذه المجموعة؛ إذ يسمح لإيران بامتلاك أداة موازنة في مواجهة جهات فاعلة تتواجد عسكرياً على بعد آلاف الكيلومترات عن المنطقة.
من جهة أخرى، فإن الحساسية العالمية تجاه هرمز جعلت هذا الممر محط اهتمام القوى الكبرى دائماً. فأمن الطاقة يشكل أولوية حيوية للعديد من الدول الصناعية، وأي اضطراب في هذا المسار يمكن أن يؤثر في أسعار النفط وتكاليف النقل والأوضاع الاقتصادية العالمية. ولهذا السبب، حتى التهديد المحتمل بشأن مستقبل هذا المسار يحظى بأهمية لدى الأسواق العالمية.
وهذه الخاصية جعلت مضيق هرمز بالنسبة لإيران ليس مجرد أداة عسكرية، بل أداة تفاوض سياسي أيضاً. إذ ترى طهران أنه في ظل استخدام بعض القوى أدوات العقوبات والضغوط الاقتصادية والتهديد العسكري، ينبغي لإيران أن تمتلك قدرات لتحقيق التوازن.
غير أن أهمية هرمز لإيران لا تعني أنه مجرد أداة ضغط قصيرة الأمد. فموقع هذا الممر في المعادلات الإقليمية يشكل جزءاً من تنافس أوسع بشأن النظام الأمني للخليج الفارسي. وتشدد إيران دوماً على أن أمن المنطقة يجب أن تؤمنه دول المنطقة، وأن وجود القوى خارج الإقليم لا يحقق الأمن، بل قد يؤدي إلى تصعيد التوترات.
في المقابل، ترى الولايات المتحدة وبعض حلفائها أن الوجود العسكري في المنطقة ضروري لضمان حرية تدفق الطاقة وأمن الملاحة. وهذا الاختلاف في الرؤية كان أحد الجذور الرئيسية للتنافس الاستراتيجي بين طهران وواشنطن على مدى العقود الأربعة الماضية.
بعد التطورات الأخيرة، ازدادت أهمية مضيق هرمز في حسابات الطرفين. فالولايات المتحدة تدرك أن أي مواجهة عسكرية واسعة مع إيران قد تخلّف تداعيات تتجاوز ساحة المعركة. فأمن القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، وأوضاع سوق الطاقة، وردود فعل الجهات الإقليمية، كلها عوامل ينبغي على صنّاع القرار في واشنطن أن يأخذوها بعين الاعتبار.
من جهة أخرى، تدرك إيران أيضاً أن مضيق هرمز يمثل قضية حساسة دولياً، وأن أي قرار بشأنه سيكون له تداعيات واسعة. ولهذا، تسعى طهران إلى الاحتفاظ بهذه القدرة في إطار أداة ردعية، يُوصف هدفها الأساسي بأنه رفع كلفة أي عمل عسكري ضد إيران، وتحقيق توازن في مواجهة الضغوط الخارجية.
في مثل هذه الظروف، لا يكمن السؤال الأساسي في سبب عدم استعداد إيران للتخلي عن هذه الأداة، بل في العوامل التي دفعت طهران إلى الاستنتاج بأن الاحتفاظ بهذه القدرة ضروري. والإجابة تكمن في التجربة التي اكتسبتها إيران من علاقاتها مع الولايات المتحدة في السنوات الماضية؛ تجربة أثبتت، من وجهة نظر طهران، أنه من دون ضمانات موثوقة، حتى الاتفاقات السياسية المهمة يمكن أن تتبدد بتغير الظروف.
وطالما أن الخلافات الأمنية بين إيران وأميركا لم تحل، ولم يُوضع آلية مستقرة تمنع عودة الضغوط العسكرية والسياسية، فمن المستبعد أن تقبل طهران بالتخلي عن أحد أهم مزاياها الجيوسياسية. فمضيق هرمز بالنسبة لإيران ليس مجرد ممر مائي، بل جزء من معادلة القوة والأمن والردع، وله دور مهم، في نظر صنّاع القرار الإيرانيين، في الحفاظ على التوازن في مواجهة الضغوط الخارجية.