الكوثر_نهج القائد
إذ يرسم سماحته، بنظرة تتجاوز الحدود الجغرافية والمراحل الزمنية القصيرة، مستقبلاً لا يكون فيه الإسلام مجرّد معتقد شخصي، بل نظاماً حضارياً فاعلاً يتصدّى للنظام القائم.
يقوم هذا الفكر في جوهره على اعتقاد راسخ بأنّ الثورة الإسلامية كانت نقطة تحوّلٍ لانطلاق حركة حضارية كبرى. ففي نظره، الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليست مجرّد نظام سياسي لإدارة دولة، بل هي مختبرٌ كبير لصناعة الحضارة. وقد شدّد مراراً على أن تشكيل النظام الإسلامي كان الخطوة الأولى، يليه بناء الدولة الإسلامية، ثم المجتمع الإسلامي، وأخيراً بلوغ الحضارة الإسلامية الجديدة. وتكشف هذه السلسلة المنطقية أنّه من دون إصلاح الهياكل الاجتماعية والمؤسسات الحكومية، يبقى الحديث عن الحضارة مجرّد شعارٍ أجوف.
ومن أبرز سمات هذا النموذج الحضاري تركيزه على إشراك الجماهير. ففي الحضارات الغربية القائمة على الديمقراطيات الليبرالية، يقتصر دور الشعب غالباً على المشاركة في الانتخابات، أو تُديره جماعات الضغط ورؤوس الأموال. لكنّ السيّد الخامنئي يرى في تعبئة الجماهير ومشاركتهم الواعية الركيزة الأساسية للحياة الإسلامية. فمن دون حضور الشعب، لن يتحقّق أيّ هدفٍ سامٍ. وهو يستشهد بدور الشباب في المجالات العلمية والدفاعية والاجتماعية ليقدّم هذا النموذج كقدوةٍ لشعوب الأمم الإسلامية الأخرى، لتحرّر نفسها من الجمود والتبعية للقوى العظمى.
وفي مواجهة النظام العالمي المبني على هيمنة قوى الاستكبار، يُعدّ هذا النموذج الحضاري أداةً للمقاومة. فربط سماحته مفهوم المقاومة بالحضارة يُظهر أنّ الصمود في وجه الظالمين ليس فعلَ انفعال، بل ضرورة حضارية لحفظ الاستقلال والكرامة الإنسانية. حين يتحدّث عن هزيمة العدو في حروب المنطقة أو عن فقدان الشعارات الغربية لحقوق الإنسان مصداقيتها في دعمها لشعب غزة، فهو يرسم ملامح صراع بين نظامين أخلاقيين مختلفين: نظام قائم على المنفعة المادية، وآخر مؤسس على العدالة والروحانية والكرامة.
أمّا العنصر الجوهري الآخر الذي يبرز في هندسة سماحته الحضارية، فهو مزج العلم بالدين. ففي حين يُسخّر العلم في العالم الحديث غالباً لخدمة الهيمنة والاستعمار، يعتقد السيّد الخامنئي أنّ الحضارة الإسلامية الجديدة يجب أن تكون رائدة في العلم والتكنولوجيا، لكنّ علمٌ يخدم الأخلاق ورفعة الإنسان. فالتقدّم الإيراني في مجالات النانو والنووي والطب والفضاء ليست مجرّد إنجازات تقنية في نظره، بل جزءٌ من البنى التحتية اللازمة للاستقلال الحضاري. فالدولة التي تعتمد على الآخرين في العلم لا يمكنها ادّعاء بناء حضارة.
وعلى صعيد العلاقات الدولية، لا تسعى الحضارة الإسلامية الجديدة إلى إلغاء الآخرين، بل إلى إعادة تعريف النظام العالمي لصالح المستضعفين. يستثمر السيّد الخامنئي الطاقات الثقافية والسياسية لتحقيق تقارب بين الدول الإسلامية، مؤكداً أنّ القوى الكبرى تستغلّ الفرقة بين المسلمين لخدمة أهدافها، وأنّ مواجهة هذا السيناريو تكون بالعودة إلى الهويّة الإسلامية المشتركة وتعزيز الوحدة. وهذه الاستراتيجية، في مواجهة العولمة الغربية التي تسعى إلى التجانس الثقافي وفرض القيم المادية، تطرح نوعاً من التعدّدية الدينية والعدالة.
يرى العديد من المحللين السياسيين في الغرب أنّ النماذج الدينية، بطبيعتها التقليدية، تفتقر إلى القدرة على إدارة تعقيدات العالم الحديث. لكنّ السيّد الخامنئي، بتأكيده على عنصري الاجتهاد والعقلانية، يثبت أنّ الفقه الإسلامي قادر على الإجابة عن المسائل المستجدّة وتحديات العصر. فإدارة الأزمات، والاقتصاد المقاوم، ونموذج التقدّم الإسلامي الإيراني، كلّها مؤشرات على محاولة إثبات كفاءة الدين في تسيير شؤون المجتمع.
واللافت في هذه الهندسة، تركيزها على الاعتماد على الذات الوطنية. ففي بيان "الخطوة الثانية" للثورة، يوجّه سماحته خطابه إلى الشباب باعتبارهم المخاطبين الأساسيين لبناء هذه الحضارة. وهذا يعني أنّ بناء الحضارة مشروع تاريخي ينتقل من جيل إلى آخر. ولتحقيق ذلك، لا بدّ من إعادة قراءة تاريخ الإسلام وفهم واقع اليوم فهماً صحيحاً. فليس المطلوب الجمود ولا الغلوّ، بل السير نحو المستقبل بعقلانية ثورية.
في الختام، يُقدّم النموذج الحضاري الذي يصبو إليه السيّد الخامنئي رؤيةً مفعمة بالأمل. فهو، بنقده للهياكل الجائرة في العالم، يوسّع آفاق المسلمين إلى ما وراء الحدود الوطنية، ويدعوهم إلى القيام بدور فاعل في تاريخ البشرية. وفي عالمٍ يسعى العلمانيون فيه إلى تجريد الحياة الإنسانية من معناها السامي، يُشكّل هذا النموذج، بإصراره على الربط بين السياسة والروحانية، محاولةً لإنقاذ الإنسان المعاصر من حيرته وعبثيته. وهذا هو الإرث الفكري الذي قد يتحدّى، في المستقبل، النظام العالمي الجديد لا بالقوّة بل بالعدالة والروحانية.