شاركوا هذا الخبر

عنجهية في مهب التيه؛ قراءة في سقطات ترامب وتهافت الرفض المندفع - بقلم الإعلامي ميثم ماجد

في وقت تتجه فيه أنظار العالم نحو مساعي التهدئة ولغة العقل، تبرز من واشنطن نبرة غارقة في الاستعلاء تضرب بعرض الحائط كل الأعراف الدبلوماسية. إن الرفض الأرعن الذي جابه به دونالد ترامب المبادرة الإيرانية الأخيرة، ليس مجرد موقف عابر، بل هو انعكاس لأزمة عميقة تعيشها الإدارة الأمريكية بين وهم القوة ومرارة الواقع. في السطور التالية، قراءة تحليلية تسبر أغوار هذا الصلف السياسي، وتكشف ما وراء الأقنعة من تخبط اقتصادي وفشل استراتيجي، أمام ثبات الموقف الإيراني وأوراقه القوية.

عنجهية في مهب التيه؛ قراءة في سقطات ترامب وتهافت الرفض المندفع - بقلم الإعلامي ميثم ماجد

في مشهد تراجيدي جديد يعكس ضحالة الرؤية السياسية وضياع البوصلة الدبلوماسية، يطل علينا "دونالد ترامب" بلسانه الذي لم يعرف يوما أدب التخاطب الدولي، واصفا المبادرة الإيرانية الرصينة التي نقلت عبر الوسيط الباكستاني بـ"الحمقاء"، زاعما أن مكانها سلة النفايات. بل إنه، في تبجج صبياني، لم يكلف نفسه عناء قراءتها كاملة، ظنا منه أن الإعراض عن الحكمة يرفع من شأن المتكبرين، وما علم أنه بذلك يلقي بآخر حبال النجاة لسياساته المتهالكة في غياهب الفشل.
إن هذا الصلف اليميني المتطرف ليس إلا قناعا زائفا يهدف إلى مواراة الحقيقة الساطعة؛ فإن واشنطن هي من تفر من مائدة التفاوض، وهي من ترتعد فرائصها أمام لغة المنطق والدبلوماسية. إن ترامب، بأسلوبه الذي يفتقر لأدنى معايير الكياسة، لا يسعى لاتفاق عادل، بل يلهث وراء وهم "الاستسلام الكامل" لشعب لم يركع عبر العصور. إن هذا النهج الذي يزدري المبادرات الدبلوماسية الإيرانية - التي اتسمت دائما بالنضج والمسؤولية - يثبت للعالم أجمع أن البيت الأبيض بات أسيرا للإملاءات الصهيونية التي لا ترى في السلام إلا تهديدا لوجودها القائم على الدماء.
لقد أثبتت الأحداث القريبة أن اليد الإيرانية الممدودة للسلام قوبلت بطعنات الغدر الأمريكي - الصهيوني. فبينما كانت أروقة الدبلوماسية تعج بمحاولات الحل، اختارت واشنطن وربيبتها تل أبيب لغة النار؛ تارة في "حرب الأيام الاثني عشر"، وتارة أخرى في "ملحمة حرب رمضان". إن هذا الهجوم الغادر في عز تجليات التفاوض لم يكن إلا محاولة يائسة لكسر إرادة طهران، ولكن هيهات للسيوف الصدئة أن تنال من عزيمة الجبال.
إن ترامب الذي يتحدث عن "سلال النفايات" يتناسى أن سياساته الخرقاء قد وضعت الاقتصاد العالمي برمته في سلة الخطر. إن صرخات المواطن الأمريكي والأوروبي من غلاء الوقود الفاحش وتصاعد أسعار النفط ليست إلا حصادا مرا لغطرسته. وفي المقابل، تقف إيران شامخة بقاعدة شعبية وفية، ممسكة بشرايين الاقتصاد العالمي عبر مضيق هرمز، ذلك المفتاح الذهبي الذي يعرف العالم أن طهران وحدها تملك قرار فتحه أو غلقه في وجه الطغيان.
إن تراجع شعبية ترامب وانحدار صورته أمام الناخب الأمريكي، الذي بات يئن تحت وطأة التضخم وأزمات البنزين، هو الدليل الأقوى على أن المقترحات الإيرانية ليست هي التي تستحق الإهمال، بل هي تلك العقلية التاجرة التي تظن أن كرامة الدول تباع وتشترى في مزادات الاستعلاء.
ليعلم ترامب، ومن خلفه معسكر التحريض، أن من يرفض قراءة رسائل الحكمة اليوم، سيجبر غدا على قراءة فصول الانكسار تحت وطأة الواقع الذي تفرضه سواعد الأحرار في طهران. فالواقع يقرر، والزمن يدور، والشعوب الحية لا تضع مبادراتها في سلال المهملات، بل تحولها إلى منارات تحرق عروش الظالمين.

أهم الأخبار

الأكثر مشاهدة