الكوثر_مقالات
في الأيام الأخيرة، تحدث ترامب مرارًا وتكرارًا بلهجة حادة وحاسمة عن قرب انتهاء وقف إطلاق النار. ومن خلال تحديد مواعيد نهائية متتالية، حاول تشكيل المناخ النفسي بطريقة تجبر إيران على قبول شروط أمريكا والمشاركة في محادثات إسلام آباد. في هذا السياق، حتى فرض الحصار البحري واستمراره اعتُبر وسيلة لزيادة الضغط؛ وسيلة كان من المفترض أن تضع طهران في موقف "اختيار بين السيئ والأسوأ": إما الدخول في مفاوضات تحت الضغط، أو قبول تصعيد الأزمة.
لا يمكن تحليل سلوك دونالد ترامب الأخير تجاه إيران في سياق قرار لحظي أو رد فعل على موقف محدد؛ ما يعكس نمطًا أعمق في طريقة تعامله مع الأزمات المعقدة. لكن حسابات واشنطن اصطدمت بالواقع الميداني والاستراتيجي الإيراني منذ لحظة ما. فقد أعلنت طهران بوضوح أنه لن تكون هناك مفاوضات طالما استمر الحصار البحري. وكان هذا الموقف جزءًا من عقيدة راسخة: رفض المفاوضات تحت الضغط. وهكذا، وصلت محاولة إجبار إيران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات عبر التهديدات إلى طريق مسدود.
عند هذه النقطة، تكرر النمط نفسه لسلوك ترامب. ومع اقتراب نهاية وقف إطلاق النار الذي استمر أسبوعين، وجد الرئيس الأمريكي، الذي سبق أن تحدث مرارًا وتكرارًا عن عدم تمديده، نفسه أمام معضلة حقيقية: إما أن ينفذ تهديده ويدخل في مرحلة توتر بتكاليف غير متوقعة، أو أن يتراجع عن مواقفه المعلنة. وكان الخيار الأخير هو الخيار الثاني مرة أخرى: تمديد وقف إطلاق النار من جانب واحد.
وهذا تحديدًا ما يُلخص في المصطلحات السياسية بعبارة "ترامب دائمًا يتراجع". يصف هذا نمطًا من السلوك تكرر في نقاط مختلفة: الإعلان عن مواقف متشددة، ورفع سقف التوقعات، ثم التراجع في مواجهة التكاليف الحقيقية.
لفهم سبب وجود هذا النمط، من المهم النظر في نهج ترامب تجاه السياسة الخارجية. فهو ينظر إلى السياسة كمسرح لا كعملية معقدة ومتعددة المستويات، حيث يُعدّ "إعلان الموقف" جزءًا من الإنجاز. في هذا السياق، يمكن اعتبار التهديدات والمواعيد النهائية واللغة الحازمة علامات على القوة. لكن هذا النهج يُواجه تحديات عند مواجهة الحقائق الجيوسياسية القاسية. وإيران خير مثال على ذلك. فعلى عكس بعض الجهات الفاعلة الدولية الأخرى التي قد تخضع لضغوط نفسية أو اقتصادية، تمكنت إيران على مر السنين من بناء مستوى من الردع يزيد بشكل كبير من تكلفة أي عمل متسرع ضدها. هذا الردع ليس عسكريًا فحسب، بل هو مزيج من عوامل مختلفة - من القوة الإقليمية إلى القدرات الاقتصادية والطاقة - التي تُعقّد مجتمعةً مساحة صنع القرار لدى الطرف الآخر.
في مثل هذه الحالة، يصبح التهديد ذا مغزى عندما تكون هناك إرادة حقيقية للتنفيذ وراءه. إذا لم تكن هذه الإرادة موجودة، فإن التهديد لا يفقد فعاليته فحسب، بل قد يتحول تدريجيًا إلى نقطة ضعف. وهذا ما نراه بالضبط في سلوك ترامب. في كل مرة يُحدد فيها موعد نهائي وينتهي دون تنفيذ التهديد، تتضاءل مصداقية ذلك التهديد، ويقاومه الطرف الآخر بثقة أكبر.
وتُعدّ حادثة وقف إطلاق النار الأخيرة مثالًا واضحًا على هذه الدورة. حاول ترامب ممارسة أقصى قدر من الضغط بإعلانه عدم تمديد وقف إطلاق النار. لكن عمليًا، عندما رفضت إيران شروطه، كانت خيارات واشنطن محدودة. كان من الممكن أن يؤدي تصاعد التوترات إلى عواقب خارجة عن السيطرة، من تعطيل أسواق الطاقة العالمية إلى صراع إقليمي أوسع. في المقابل، كان التراجع وتمديد وقف إطلاق النار، رغم تكلفته السياسية الباهظة، أقل خطورة.
في نهاية المطاف، أظهر انتخاب ترامب أنه في معادلة "إظهار القوة" و"تحمّل التكاليف"، لا تزال الأخيرة هي الأهم. بعبارة أخرى، سيمضي قدمًا طالما كانت التكاليف قابلة للإدارة، لكنه سيغير مساره بمجرد تجاوزها حدًا معينًا.
لهذا النمط آثار مهمة على المستقبل. أولًا، قد يؤدي تكرار هذا السلوك إلى تآكل مصداقية التهديدات الأمريكية. في العلاقات الدولية، تلعب المصداقية دورًا محوريًا في فعالية السياسات. إذا استنتج أحد الأطراف أن تهديدات الطرف الآخر لن تؤدي بالضرورة إلى تحرك فعلي، فسيُعدّل حساباته وفقًا لذلك.
ثانيًا، قد يؤدي هذا الوضع إلى تعزيز استراتيجية المقاومة لدى الطرف الآخر. فعندما ترى إيران أن مقاومة الضغوط تؤدي في نهاية المطاف إلى تراجع الطرف الآخر، ستجد حافزًا أكبر لمواصلة هذا النهج. وهكذا، تتشكل حلقة مفرغة، حيث تزيد المقاومة في كل مرة من احتمالية التراجع.
ثالثًا، قد يؤثر هذا النمط أيضًا على حسابات الجهات الفاعلة الدولية الأخرى. قد تستنتج الدول التي تتابع التطورات عن كثب أن سياسة "حافة الهاوية" الأمريكية هي أقرب إلى ورقة مساومة منها إلى دليل على استعدادها للتحرك. وقد يؤثر هذا التصور أيضًا على سلوكها في حالات أخرى.
مع ذلك، لا ينبغي تفسير هذا التحليل على أنه يعني عجز أمريكا المطلق أو انعدام خياراتها الأخرى. فالحقيقة أن واشنطن لا تزال تمتلك عددًا من الأدوات لممارسة الضغط. لكن النقطة الأساسية هنا هي أن استخدام هذه الأدوات ينطوي دائمًا على تكاليف لا يمكن تجاهلها. وبالتالي، تتطلب عملية صنع السياسات في مثل هذه الظروف موازنة دقيقة بين الأهداف والتكاليف، وهي موازنة تبدو، في نهج ترامب، أكثر ميلًا نحو تجنب المخاطر الكبرى.
ختامًا، ما حدث في وقف إطلاق النار المُجدد كان تجليًا لنمط سلوكي سبق رصده: التهديد بتحقيق مكاسب سياسية، ومواجهة الحقائق على أرض الواقع، ثم التراجع في النهاية. نمط يمكن تلخيصه في عبارة "ترامب دائماً ما يخطئ" ويبدو أنه من المرجح أن يستمر طالما بقيت الفجوة بين "إظهار القوة" و "قبول التكلفة".