شاركوا هذا الخبر

العلامة الطباطبائي: عقلانية الإسلام وجسورٌ من قم إلى العالم

إن فكر العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي يتجاوز الأطر المذهبية والوطنية فهو يحمل أبعادًا إنسانيةً وعالميةً تجلت بوضوحٍ في مؤلفاته الأساسية، وفي مقدمتها "تفسير الميزان"، الذي قدم العلامة من خلاله قراءةً عقلانيةً وشموليةً للإسلام قادرةً على التفاعل مع قضايا العصر وتحدياته الاجتماعية والفكرية.

العلامة الطباطبائي: عقلانية الإسلام وجسورٌ من قم إلى العالم

إن التعريف بالعلامة الطباطبائي ينبغي أن يبدأ من داخل إيران قبل الانفتاح على الخارج، عبرإبراز فكره القائم على "العقل والمنطق" في مواجهة "الغلو والخرافات"، وإعطائه التكريم اللائق ضمن المساحة الحضارية والمؤسسات الوطنية بدل الاكتفاء بحضورٍ رمزيٍ محدودٍ.

كان العلامة الطباطبائي يحمل فكراً منيراً يجمع بين "الدين والعلم"، ويدعو للإعتراف بتعدد الآراء والمعتقدات، ويعزز قيم "التسامح" والانسجام المجتمعي. ويمكن القول أن جوهر فكر العلامة الطباطبائي، الذي يجمع بين "الدين والعلم" ويدعو لانسجامهما مع "العقل"، يمكن استثماره في توسيع دائرة العلاقات، وتعزيز أواصر الصداقة بين الأمم وتحقيق التفاعل والتكامل الحضاري عالميًا. كما تحضر العلاقة بين "الدين والعقل"، مع التأكيد على انتفاء أي تعارض بينهما، بوضوحٍ في مؤلفاته . لقد كان العلامة الطباطبائي يدرك تماماً أن"التنوع الفكري واختلاف الآراء" حقيقةٌ دائمةٌ وشرط ٌ للتطور، فطبق هذا المبدأ عمليًا بانفتاحه على تيارات متعددة وترسيخ روح الحوار لدى تلامذته. إذ يدعو العلامة إلى حوارٍ يقوم على الاعتراف بحقوق المختلفين فكريًا ودينيًا، باعتبارهم جزءًا من المجتمع، وصولًا إلى إيجاد قواسم مشتركة وتعزيز ثقافة التسامح كركيزة أساسيةٍ للانسجام المجتمعي. وإن نشر أفكار أعلام كبار من أمثال العلامة الطباطبائي يسهم بشكلٍ محسوسٍ في توسيع دائرة العلاقات، وتعزيز أواصر الصداقة بين الأمم، ويؤدي إلى تحقيق حالة من التفاعل والتكامل الثقافي بين الشعوب.

إلى جانب مكانته العلمية المميزة استطاع العلامة الطباطبائي، بسلوكه الأخلاقي المتواضع وحواره الراقي البعيد عن الجدال العقيم، أن يكسب احترامًا واسعًا أثر في هنري كوربان الذي رأى في الحكمة الإيرانية‑الإسلامية تراثًا روحيًا غير قابل للزوال. وكان كتاب العلامة  "أصول الفلسفة ومنهج الواقعية" جسرًا للتواصل بين الفلسفتين الإسلامية والغربية، إذ استقطب اهتمامًا بحثيًا واسعًا. ويمكن القول أن هذا العمل مثل مع شبكة علاقات العلامة الفكرية، مشروعًا فكريًا استثنائيًا في عصره.

لقد تمكن العلامة  الطباطبائي من الجمع بين التحصيل الحوزوي والمعارف الحديثة، فدرس الرياضيات والفلك وفنون المعمار واطلع على المادية والماركسية، مما منحه رؤية علمية شاملة عززها بحوارات وتفاعلات واسعة. لقد تجاوز أثر العلامة حدود التنظير والتدوين، ليتجلى في أبهى صوره من خلال صياغة وعي جيلٍ من المفكرين والنخب أمثال الشهيد مطهري، أية الله جوادي آملي، أية الله مكارم الشيرازي،أية الله سبحاني وغيرهم، كما أطلق تيار "تفسير القرآن بالقرآن" مع نظرةٍ نقديةٍ للحديث، فاتحًا آفاقًا جديدة تتجاوز حدود الدراسة التقليدية، حتى اعتبر الشهيد مطهري أن قيمة تفسيره ستتكشف بوضوح بعد قرن من الزمان.

وأخيراً فإن إدراج العلامة الطباطبائي ضمن شخصيات برنامج اليونسكو للاحتفاء به يشكل فرصةً ثمينةً للمجتمع الإيراني والإسلامي كي يتعرف بصورة أعمق عليه باعتباره ثروةً فكريةً واجتماعيةً.

أهم الأخبار

الأكثر مشاهدة