أكد الدكتور مختار شيخ حسيني، رئيس مركز أبحاث العلوم والفكر السياسي في معهد العلوم والثقافة الإسلامية، أن سر استمرار خطاب المقاومة وقوته يكمن في قوة الشعوب والناس الذين تبنوا هذه الفكرة، مشدداً على أن التحول الجوهري لا يقع إلا حين ينحاز المجتمع بأسره ويتحرك، وهذه سنة إلهية ثابتة، كما قال الله تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
جاء ذلك في كلمة له خلال ندوة علمية، استهلها بقوله: "بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم وتحياتي لجميع الأساتذة والعلماء الحاضرين في هذا اللقاء العلمي، وأشكر صديقي العزيز الشيخ باقر باهتمامه بهذه الندوة العلمية".
وقدّم شيخ حسيني التعازي بمناسبة الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد سماحة السيد حسن نصر الله، وكذلك استشهاد العظماء الذين فقدناهم في السنوات الأخيرة، من الشهيد حنينه هاري إلى الشهيد السنوار ومحمد ضيف من فلسطين، إلى لبنان الشهيد السيد هاشم صفي الدين والشهيد فؤاد شكر، وإلى إيران الشهيد باقر وشهيد سلامي وشهيد موسوي، وكل شهداء المقاومة في اليمن والعراق وكل العالم الإسلامي، وفي صدارة هذه الأسماء قائدنا الشهيد آية الله خامنئي.
وأوضح أنه لم يذكر هذه الأسماء من دون سبب، وإذا عدنا إلى الوراء يمكن إضافة شخصيات مثل الشهيد السيد حسين الحوثي مؤسس حركة أنصار الله اليمنية، والشهيد عز الدين القسام، والشهيد حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين، والشهيد سيد قطب، حتى يمكن أن نرجع إلى القرن التاسع عشر إلى الشهيد عمر المختار وعدة من المقاومين.
وتساءل عن السبب الجوهري وراء عدم انهيار حركة ومسير المقاومة في العصر الحديث باستشهاد هؤلاء المفكرين والقادة، مبيناً أن الشخصيات مثل حسن البنا كان لها دور كبير في تأسيس حركة الإخوان المسلمين في القرن العشرين في مواجهة الثقافة الغربية في مصر ابتداءً وحتى في كل العالم الإسلامي، كما نعلم التأثير الذي كان لقائدنا الشهيد في تنمية خطاب التحرر والمقاومة والسعي لتطوير الرؤية الحضارية لتجاوز الاختلافات الطائفية والسياسية بين المسلمين.
وأشار إلى أن السؤال يبقى قائماً: ما السبب في أننا بعدهم لا نزال مطالبين بالأمل؟ واعتبر أنه بالإضافة إلى النصر الإلهي الذي نؤمن به جميعاً، كما قال تعالى: "إن تنصروا الله ينصركم"، يجب البحث من منظور العلوم الاجتماعية عن سر استمرار هذا الخطاب في قوته، وسر هذا الاستمرار يكمن في قوة الشعوب والناس الذين قبلوا هذه الفكرة.
ولفت إلى أنه في تحليل التجارب التاريخية نرى أن المقاومة أكبر مشروع فكري في التاريخ المعاصر، ولها جانبان: جانب إيجابي يسعى إلى تحقيق نظام ذاتي قائم على المبادئ الإسلامية، وجانب سلبي يعارض وجود الاستعمار والأطراف الخارجية في العالم الإسلامي، والميزة الأساسية لهذا الفكر والمشروع هي شعبيته.
واستشهد بالتجربة الفلسطينية، مبيناً أن جهود عز الدين القسام والشهيد أحمد ياسين وغيرهم من القادة كانت مهمة، ولكن حقيقة المانع الأساسي للاحتلال الكامل لفلسطين اليوم هو قوة الشعب الذي تبنى فكرة المقاومة بروحه وقلبه وسلوكه.
كما استشهد بتجربة حركة أنصار الله في اليمن، حيث حاولت حركة صغيرة في شمال اليمن مستندة إلى الأفكار القرآنية للشهيد حسين الحوثي أن تقف في وجه مشاريع الاستعمار والظلم الداخلي، ومع أن السيد حسين استشهد، فإن ما ضمن استمرار هذه الحركة وجعلها اليوم في الصف الأول هو قوة الشعب وتلك الأمة التي تبنت ذلك الخطاب بروحها وقلبها.
وشدد على أن التحول الجوهري لا يقع إلا حين ينحاز المجتمع بأسره ويتحرك، ولهذا حين انتفض الشعب الجزائري وقاوم ورغم تقديمه أكثر من مليون شهيد فإنه انتصر في النهاية على الاستعمار الفرنسي. وفي إيران أيضاً كلما واجهنا تحديات وقضايا مصيرية كان الإمام الخميني والقائد الشهيد يشددان على ضرورة الاعتماد على قوة الشعب والرجوع إليها.
وكشف أنه في الأشهر التي سبقت استشهاد الإمام الشهيد واجهنا تحدياً داخلياً فُرض علينا وفق مخططات أمريكية وصهيونية، وفي هذه الأجواء جاء قول القائد الشهيد: "بتوفيق الله إذا ما وقعت حادثة للبلاد فإن الله تعالى سيبعث هؤلاء الناس لمواجهة الأحداث، والشعب هو من سيحسم الأمر".
وأضاف: "ربما نحن كأساتذة في الجامعات لم نستوعب هذه الرؤية في البداية، لكن حقيقة أننا واجهنا حرباً شاملة استهدفت بلادنا، نزل الشعب إلى الشوارع دون تخطيط مسبق، كل فرد سعى بحسب قدراته لحماية هذا النظام الإسلامي. وهكذا أمام الحضور الشامل والكبير الشعبي ذابت كل الخلافات السابقة الداخلية تماماً، حتى كثير من المعارضين السياسيين الذين كانوا يعيشون في خارج إيران انضموا إلى صفوف الشعب، وتشكل لديهم الوعي والبصيرة بأن هذه المعركة معركة وجودية ولا مجال للبقاء في المنتصف".
واعتبر أن هذه اليقظة هي الخطوة الأولى لظهور القوة الإسلامية الحق