شاركوا هذا الخبر

بقلم ناصر كنعاني، السفير الإيراني بالجزائر

الأوضاع المضطربة في العالم ومسؤولية الحكومات والشعوب

مرّ نحو ثمانية عقود على تأسيس منظمة الأمم المتحدة بهدف حماية وصون السلم والأمن الدوليين. وعلى مدى هذه الفترة، ظلّ العالم يتجرّع مآسي مريرة ومؤلمة ناجمة عن اللاقانونية، ودفعت البشرية تكاليف باهظة بسبب السلوكيات والمناهج الخارجة عن القانون لبعض الفاعلين، وخاصةً القوى الكبرى.

الأوضاع المضطربة في العالم ومسؤولية الحكومات والشعوب

ناصر كنعاني، السفير الإيراني بالجزائر:

لكن أبعد من كل ما عانته البشرية من مرارات وآلام في العقود الماضية، تكشف التطورات والاوضاع التي شهدها العالم خلال العامين الأخيرين تقريبًا، أن العالم بات مجددًا عرضة لظروف وأوضاع هشة وغير مستقرة وغير مطمئنة تجاه المستقبل، وأن حربًا شاملة وواسعة النطاق باتت تهدد شعوب العالم. وذلك في وقت باتت فيه البشرية، بفعل امتلاكها أسلحة أكثر فتكًا وتدميرًا من ذي قبل، وخصوصًا الاستخدام اللاأخلاقي واللاإنساني للذكاء الاصطناعي، أكثر قدرة من أي وقت مضى على إلحاق الضرر بنفسها وبالآخرين.

إن عددًا محدودًا من الدول -لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة- والتي تُقدّم نفسها نموذجًا وحاميةً للقيم الإنسانية السامية، وجّهت عبر لجوئها إلى أحادية عنيفة، ضرباتها القاتلة إلى الأساس الذي يقوم عليه النظام القائم على المنظمات الدولية والقانون الدولي. فهذه الدول استبدلت التعددية بالأحادية، وتنادي بها قولًا وفعلًا.

كما استبدلت الدبلوماسية بالعنف والحرب، وتفرضهما على الدول الأخرى، خاصة منها الدول المستقلة، خلافًا للمعايير الدولية ومناقضةً للقانون الدولي. إن وجهة هذه الدول ليست نحو بناء نظام أكثر عدلًا في العالم قائم على المشاركة الجماعية، بل نحو أحادية قائمة على القوة، أو بعبارة أدق: "قانون الغابة".

إن فرض حروب غير مشروعة على دول مستقلة، وعدم احترام مجلس الأمن الدولي، والاستخدام المفرط لهذا المجلس لفرض قرارات ولوائح ذات طابع سياسي واللجوء إلى العنف ضد دول مستقلة، والانسحاب من المنظمات والاتفاقيات الدولية، والانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان وتجاهلها بحق الشعوب المظلومة، واستخدام حقوق الإنسان كأداة سياسية لابتزاز الدول المستقلة في العالم، كل ذلك لا يقود العالم إلا نحو الفوضى والشغب والحرب وسفك الدماء. ونتيجة هذه السلوكيات هي فقدان الدول والشعوب الثقة بالمنظمات الدولية والقانون الدولي، ودفعها نحو السعي لامتلاك القوة الصلبة والتسلح والحصول على أسلحة تقليدية وغير تقليدية، وباختصار: إغراق العالم في حالة من "السلام المسلَّح".

كما أن الاستقطاب العسكري والسياسي، وعدم استقرار النمو الاقتصادي والتجاري العالمي، وتراجع النمو والتنمية الاقتصادية، وتنامي العسكرة وتجارة الأسلحة، واستنزاف الموارد المادية للدول من أجل التسلح بدلًا من التنمية والإعمار والصحة والتعليم والرفاه العام، هي من النتائج المدمرة الأخرى للأحادية وعسكرة القوى التي قدّمت نفسها لسنوات طويلة على أنها المؤسِّسة والحافظة للنظام والسلم الدوليين.

إن العالم يتجه مرة أخرى نحو "التحالف من أجل الحرب" بدلًا من "التحالف من أجل السلام". نعم؛ تُثبت التجارب التاريخية بعد الحرب العالمية الثانية أن النظام الدولي القائم ليس نظامًا عادلًا، غير أن النظام الجديد لا يُبنى من أنقاض النظام الحالي عبر اللجوء إلى الأحادية القائمة على القوة والسلوكيات اللاأخلاقية واللاإنسانية والعسكرة، بل يتحقق نظام دولي عادل ومستقر عبر مسار الحوار، والاعتراف بالحقوق الطبيعية والقانونية للشعوب والدول الأخرى، والمشاركة الدولية من اجل السلام والتنمية والأمن الجماعي.

- فمن حقًا يدفع بالعالم نحو ظروف خطيرة تشبه ما سبق من الحربين العالميتين؟
- من الذي ضحّى بالتعددية على مذبح أحاديته العنيفة؟
- من الذي يقود العالم نحو عصر من الفوضى والاضطراب بدلًا من المشاركة من أجل السلام وتهيئة ظروف أكثر عدلًا واستقرارًا؟
- من الذي يُفرغ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي والمعاهدات الدولية من قيمتها ومصداقيتها؟
- من الذي حطّ من قدر حقوق الإنسان إلى مجرد أداة ضغط لتحقيق أهدافه السياسية التوسعية؟
- من الذي يلجأ إلى الانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان لتحقيق أهداف سياسية؟
- من الذي يدعم الإبادة الجماعية للشعوب المظلومة؟
- من الذي يعتدي وينتهك، بخرق صارخ للقانون الدولي، أمن وحدود دول أخرى أعضاء في الأمم المتحدة؟
- من الذي يلجأ إلى الإرهاب الحكومي كأسلوب اعتيادي للتخلص من معارضيه، من دول وغير دول، على أراضي دول أخرى، بل ويعترف بذلك ويفتخر به؟
- من الذي يهدد شعوبًا أخرى بتدمير حضارتها عبر أساليب وهجمات عسكرية؟

إن "السلام" هبة إلهية للبشرية، وهو الأساس الذي ينهض عليه نمو الإنسان وسموّه وتقدّم الشعوب وعيشها بسلام جنبًا إلى جنب في المجتمع الدولي. وفي ظل قيام فاعل دولي واحد أو أكثر، بجرأة، بانتهاك صارخ للقواعد الآمرة في القانون الدولي، وفرض الأحادية واللجوء إلى العنف غير المشروع ضد الدول والشعوب من أجل تحقيق أهدافه السياسية غير المشروعة، فإن صمت وتقاعس بقية أعضاء المجتمع الدولي يشجّع على اللاقانونية ويُسهّل لا محالة الى انزلاق العالم نحو فوضى شاملة.

إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حكومةًً وشعبًا، هي على غرار بعض دول وشعوب منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا وأمريكا اللاتينية، ضحية لخرق القانون، والانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان، والإرهاب المنظّم، والسلوكيات والمناهج الخارجة عن القانون التي يمارسها ناقضو القانون. إن الوقوف إلى جانب العدالة ونصرة الضحية وعدم الصمت إزاء تفشي الظلم و خرق القانون و الأحادية يُعد مصلحة عالمية، وإلا فإن اللاقانونية والهيمنة والفوضى ستطال أيضا الآخرين تدريجياً.

أهم الأخبار

الأكثر مشاهدة