الكوثر_مقالات
النص التالي هو جزء من مذكرات آية الله الخامنئي، قائد الثورة الشهيد (وفق تعبير المصدر)، والتي استُخرجت من كنز التاريخ الشفهي في مركز وثائق الثورة الإسلامية. وقد سُجّلت هذه الروايات الحيّة والمحادثات الودية في النصف الأول من عقد الثمانينات الميلادية (الستينات الهجرية الشمسية) على يد السيد حميد روحاني، وأُعيد نشرها في العدد السادس من مجلة "بشهادة الوثائق". وقد اخترنا أجزاءً من هذه المذكرات، وإليكم الجزء الأول منها:
---
برامج القراءة الإضافية (خارج المنهج الدراسي):
كانت برامج القراءة الإضافية لدينا، حتى سنوات طويلة نسبياً من بداية التحصيل، خاضعة لتأثير البرامج الدراسية، وربما حتى فترة معينة أو زمناً طويلاً نسبياً، يمكن القول إن هذه البرامج كانت قليلة جداً ومحدودة ومعدودة. لكن فيما بعد توسعت هذه البرامج، وسأتناولها الآن بإيجاز.
يمكنني القول إن أهم المطالعات الإضافية بالنسبة لي خلال الفترة التي كنا فيها في مشهد (أي حتى سنوات 1957-1958 الميلادية تقريباً) كانت في مجال الشعر والأدب والرواية. قد يبدو غريباً لكم إذا قلت إني قرأت مئات المجلدات من الروايات في بداية دراستي الحوزوية. لقد قرأت في ذلك الوقت العديد من الروايات المشهورة، وكان بعضها يقع في عشرة مجلدات. كنا نذهب أولاً إلى مكتبة العتبة الرضوية المقدسة التي كانت تضم كتباً كثيرة، ومن بينها روايات كثيرة، وكنا نقرأ الروايات هناك.
ثم تطور هذا الاهتمام بي تدريجياً حتى أصبحت أرغب في قراءة الروايات. كنت آخذ الروايات من المكتبات، ولم يكن لدينا مال، فكنت أستأجرها مقابل قران واحد (عملة إيرانية) في الليلة. ربما تكون عبارة "مئات المجلدات" تعبيراً لا يعكس الحقيقة تماماً، لأنني لست متأكداً من أنها كانت آلافاً، لذلك لا أقول آلافاً، وإلا فاحتمال أن تكون آلاف المجلدات وارد. لقد قرأت كثيراً، ولم تكن هناك رواية في ذلك الوقت يُذكر اسمها إلا وكنت قد قرأتها. كنت أقرأ غالباً الروايات الأجنبية، ولم أكن مهتماً كثيراً بالروايات الإيرانية.
واستمر هذا الأمر لفترة، لكنه تراجع تدريجياً، كان ذلك في بداية الدراسة الحوزوية، ثم قلت فيما بعد. عندما وصلت إلى دراسة الفقه والأصول وما شابه، أصبحت أقل، لكنها لم تنقطع تماماً.
---
الشعر والانشغال به:
ومن الانشغالات الإضافية الأخرى في الأدب، كان الشعر. تعرفت تدريجياً على دواوين الشعراء والكتب المتعلقة بتاريخ الأدب، والكتب التي تناقش أساليب الشعر، ودرستها. واستمرت هذه المطالعات حتى عندما ذهبت إلى قم. وحتى في تلك الفترة، كانت هذه المطالعات الأدبية والشعرية كبيرة جداً من حيث الحجم، أي أنها كانت تستهلك جزءاً كبيراً من أوقات فراغي، واستمر هذا الاتجاه بقوة حتى عام 1964 الميلادي.
---
نصيحة شاعر كبير لي!
في عام 1964، وبسبب حادثة معينة، وهي تذكرة وجهها لي شخص ما، ومن المدهش أن هذا الشخص كان من الشعراء المعروفين، ابتعدت قليلاً عن الشعر. ومنذ ذلك الوقت وحتى عدة سنوات، لم أكن أهتم بالشعر والمطالعات الشعرية والأدبية. حتى عاودت الميل إلى هذا الجانب مرة أخرى في سنوات 1973-1974، خاصة في عام 1973 في السجن، حيث كنت لفترة في زنزانة منفردة، وكنت أراجع الذكريات الذهنية، ومن بينها الأشعار التي كنت قد درستها ونسيتها لعدة سنوات، فتذكرتها. وعندما خرجت من السجن، بدأ تدريجياً ذلك الرابط القديم مع الأدب والشعر يتجدد.
ذلك الشخص هو السيد أميري فيروزكوهي [1]، الذي كان من الشعراء المعروفين في إيران. كنت أكن له تقديراً شعرياً، فهو أستاذ مسلم في الشعر، خاصة في الأسلوب الهندي. كان يراني في كل المجالس والتجمعات التي يُقام فيها الشعراء أو الجمعيات الأدبية، أو في الجلسات الودية الخاصة، أقرأ الشعر، وأدوّن الشعر، وأنقل من هذا ومن ذاك، وكان معي دفتر ملاحظات. وكان لي دفتر شيّق جداً، كنت أفتحه وأقرأ باستمرار الأبيات المفردة الجميلة والقصائد الغنائية الرائعة. وعندما رأى ذلك، قال لي: "يا فلان، من المؤسف أن تُصرفَ نفسك للشعر، إنك الآن تُصرف في الشعر وهذا مَضيعة لك".
في البداية، لم تعجبني هذه النصيحة، لكنها أثرت في قلبي باستمرار، حتى أنني بعد فترة قصيرة رأيت أنني قد انقطعت عن الشعر تماماً. ودليل ذلك أنني كنت أملك دفاتر، وكنت دائماً أدوّن فيها الأشعار، كما يقول أهل الذوق والأدب، كان لدي "سفينة غزل" (دفتر يجمع أجود القصائد الغنائية)، كنت أدوّن فيها أشعاري أو أشعار الآخرين، من القدماء والمعاصرين، وأكتب تاريخها في الأسفل، مثلاً: دوّنت هذه القصيدة في هذا التاريخ، وبعد يوم أو يومين دوّنت كذا، أو كتبت هذا البيت المفرد. وكانت هذه التواريخ دائماً متقاربة. ومن ذلك التاريخ فصاعداً، بدأت هذه التواريخ تتباعد، حتى أصبح الفاصل عدة سنوات. والآن لو نظر أحد إلى ذلك الدفتر، لاستطاع أن يفهم مدى علاقتي بالشعر، وفي أي فترة ضعفت، وفي أي فترة انقطعت... وفي السنوات السبع أو الثماني الأخيرة، انقطعت علاقتي بالشعر تماماً تقريباً.
بالطبع، ما زلت أقرأ أحياناً الدواوين الشعرية، لكن لم يعد لدي ذلك التدوين والتسجيل والحفظ والقراءة المستمرة، وغالب ما قرأته سابقاً قد نسيته. قال الشاعر: "لقد ذهب ما قرأته من ذاكرتي، إلا حديث العشق الذي أعيده دائماً"؛ فالمقرؤات السابقة والإنتاجات السابقة قد نُسيت في الغالب.
---
علاقتي بحافظ وسعدي:
وأضيف هذه النقطة أيضاً، أنه في منتصف فترة الدراسة الحوزوية، خاصة في فترة مشهد، كانت هناك أوقات كنت لا أنام ليلاً إلا بعد قراءة غزل أو اثنين من حافظ. قد تتعجبون ولكنها حقيقة. كنت لا أنام حتى أقرأ غزلاً من حافظ. كما أنني لفترة كنت مولعاً جداً بسعدي، وكنت أقرأ أشعاره باستمرار. وفترة أخرى تابعت أشعار الأسلوب الخراساني كعنصري وفرخي وغيرهما، وأنست بهم كثيراً. وفيما بعد، أصبحت مولعاً بالأسلوب الهندي، وكنت أقرأ أشعار صائب وكليم بدقة وتفحص. وهذا كان أيضاً أحد البرامج غير الدراسية والأنشطة الإضافية لدينا.
---
هامش:
[1] الأميري فيروزكوهي: شاعر إيراني معاصر (توفي 1984م) من أساتذة الشعر الفارسي، خاصة في الأسلوب الهندي (السبك الهندي).