الكوثر_مقالات
واستمرار التهديدات الأمنية، والأزمة الاقتصادية الناجمة عن التطورات الإقليمية، وانخفاض مبيعات النفط، والحفاظ على التوازن بين العناصر الداخلية، كلها عوامل أجبرت الحكومة على إدارة جزء من مطالب أمريكا في شكل إجراءات محدودة وتكتيكية. من هذا المنظور، فإن ما يحدث في بغداد هو، بدلاً من أن يكون تغييراً في جوهر ميزان القوى، محاولة لكسب الوقت ومنع تصاعد الضغوط الخارجية.
في هذا الإطار، يمكن أيضاً تحليل سلسلة التغييرات الأخيرة في هيكل الحوكمة العراقي. فقد تم إقالة قاسم الأعرجي من منصب مستشار الأمن الوطني العراقي، وتعيينه مستشاراً أمنياً لرئيس الوزراء. وفي المجال الاقتصادي، تم إعفاء علي العلاق من رئاسة البنك المركزي، وتكليفه بمهام المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء. بالإضافة إلى ذلك، تشير التكهنات السياسية إلى احتمال تغيير في منصب فالح الفياض، رئيس هيئة الحشد الشعبي.
واللافت أن جزءاً مهماً من هذه التغييرات لا يعني الإزالة الكاملة للمديرين السابقين من هيكل السلطة، بل نقلهم إلى مسؤوليات أخرى. وهذا يظهر أن حكومة بغداد تحاول، مع الاستجابة الجزئية للمطالب الأمريكية، منع حدوث شرخ جدي في البنية السياسية والأمنية للعراق.
يمكن أيضاً تقييم زيارة الزيدي إلى واشنطن في هذا الإطار. فخلال ما يقرب من 20 عاماً، كان رؤساء وزراء العراق يخصصون عادة زياراتهم الخارجية الأولى للدول المجاورة، لكن اختيار أمريكا كأول وجهة خارجية لرئيس الوزراء يحمل رسالة سياسية لواشنطن. ومع ذلك، لا ينبغي تفسير هذه الخطوة على أنها تغيير جوهري في السياسة الخارجية العراقية أو خروج بغداد من المعادلات الإقليمية؛ بل يمكن اعتبارها محاولة لتخفيف الضغوط، وجذب الدعم المالي، والحفاظ على استقرار سوق الصرف، ومنع فرض قيود إضافية على الاقتصاد العراقي.
في المقابل، تسعى أمريكا، بالتزامن مع هذه التطورات، إلى متابعة مطالبها الأمنية بجدية أكبر. وأهم محور لهذه المطالب هو احتكار السلاح، وحل فصائل المقاومة، ودمج الحشد الشعبي في الهيكل الأمني العراقي. من منظور استراتيجي، خلصت واشنطن إلى أن المواجهة المباشرة مع الفصائل وقوات المقاومة لن تكون مكلفة أمنياً وعسكرياً واقتصادياً فحسب، بل يمكن أن تؤدي إلى عدم استقرار واسع النطاق وحتى صراعات داخلية. ولهذا السبب، تركز استراتيجية أمريكا بشكل أكبر على الحل، والإضعاف التدريجي، والتحول التنظيمي، والحد من القدرات المؤسسية لفصائل المقاومة والحشد الشعبي.