شاركوا هذا الخبر

لبنان بعد الاتفاق الإطاري؛ بين سيادة معلّقة ومعادلة المقاومة – بقلم الإعلامي ميثم ماجد

في لحظة إقليمية مثقلة بالتحولات، وفي ظل مشهد سياسي تتقاطع فيه حسابات الحرب والتفاوض والنفوذ، جاءت ولادة الاتفاق الإطاري بين لبنان والكيان الصهيوني برعاية أمريكية لتفتح باباً واسعاً أمام أسئلة تتجاوز حدود النصوص الدبلوماسية إلى عمق الصراع على مستقبل المنطقة. فبينما قُدّم الاتفاق في خطاب واشنطن وبيروت باعتباره خطوة نحو استعادة السيادة وترسيخ الاستقرار، فإن القراءة السياسية المقابلة ترى فيه محاولة لإعادة إنتاج معادلة قديمة بثوب جديد؛ معادلة تُبقي الاحتلال في موقع التحكم الأمني، وتحول الانسحاب من حق سيادي ثابت إلى ورقة تفاوضية مشروطة، وتضع ملف المقاومة في قلب المقايضة السياسية. فالاتفاق لا يمثل نهاية الصراع، بل انتقالاً به من ساحات المواجهة العسكرية إلى ساحات الضغط السياسي، حيث تحاول الولايات المتحدة والكيان الصهيوني تحقيق ما لم تستطع الحرب وحدها إنجازه؛ تغيير ميزان القوى في لبنان وإعادة صياغة الجنوب بما ينسجم مع الرؤية الصهيونية.

لبنان بعد الاتفاق الإطاري؛ بين سيادة معلّقة ومعادلة المقاومة – بقلم الإعلامي ميثم ماجد

اتفاق يشبه هدنة أمنية أكثر مما يشبه مسار سلام

منذ اللحظة الأولى، برزت إشكالية جوهرية في طبيعة الاتفاق الإطاري؛ فهو لا يظهر كتسوية بين طرفين متكافئين، بل كترتيب أمني تُدار من خلاله مرحلة انتقالية وفق شروط ضعها الكيان الصهيوني وحلفاؤها.

فالإبقاء على وجود عسكري صهيوني تحت عناوين مثل الخط الأصفر أو الحزام الأمني يعني استمرار منطق الاحتلال ولكن بأدوات سياسية جديدة. فبدلاً من أن يكون الانسحاب الكامل وغير المشروط هو نقطة البداية، أصبح مرتبطاً بشروط داخلية لبنانية، وفي مقدمتها ملف سلاح حزب الله.

وتكشف تصريحات رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو حول عدم السماح بعودة السكان اللبنانيين أو المقاومة إلى مناطق معينة أن الانسحاب لم يُطرح باعتباره التزاماً نهائياً، بل كأداة ضغط مرتبطة بإعادة تشكيل الواقع الأمني في الجنوب.

أما الحديث عن مناطق تجريبية وانتقال السيطرة إلى الجيش اللبناني، فيُقرأ من قبل محور المقاومة باعتباره إعادة تدوير لفكرة المناطق العازلة التي اعتمدها الاحتلال تاريخياً بهدف حماية حدوده وإضعاف البيئة الحاضنة للمقاومة.

وبهذا المعنى، فإن الاتفاق لا يبدو مشروعاً لاستعادة السيادة، بقدر ما هو محاولة لإعادة هندسة الجنوب بما يضمن أمن الاحتلال قبل أي اعتبار آخر.

تهميش مذكرة إسلام آباد ومحاولة احتواء الدور الإيراني

في خضم هذه التطورات، يبرز البعد الإقليمي للصراع، ولا سيما الدور الإيراني الذي تعتبره قوى المقاومة ركناً أساسياً في معادلة الردع الإقليمية.

فمذكرة إسلام آباد لم تكن مجرد تفاهم عابر، بل محاولة لإرساء معادلة تقوم على وقف العمليات العسكرية واحترام سيادة الدول ومنع فتح جبهات جديدة.

ومن هذه الزاوية، فإن تهميش هذا المسار يُفسَّر باعتباره محاولة أمريكية ـ صهيونية لمنع تكريس واقع جديد يعترف بأن أي ترتيبات أمنية في المنطقة لا يمكن أن تُصاغ بعيداً عن القوى الإقليمية المؤثرة.

فالمعادلة التي تخشاها واشنطن، ليست فقط وجود إيران في المشهد، بل وجود نموذج مقاوم أثبت أن الكيان الصهيوني لا يستطيع فرض إرادته الكاملة بالقوة العسكرية وحدها.

ولهذا فإن محاولة إبعاد إيران عن الملف اللبناني تُقرأ كجزء من معركة أكبر هدفها إعادة احتكار القرار الإقليمي داخل الإطار الأمريكي ـ الصهيوني.

واشنطن... وسيط سياسي أم مهندس لمعركة نزع السلاح؟

لغة الإدارة الأمريكية في التعامل مع الاتفاق، تكشف أن واشنطن لم تتحرك كوسيط محايد بين طرفين، بل كطرف يمتلك مشروعاً سياسياً واضحاً.

فالعناوين التي ركزت عليها واشنطن، من تعزيز قدرات الجيش اللبناني إلى تشكيل آليات تعاون أمني، وصولاً إلى ملف نزع سلاح حزب الله، تعكس محاولة لإعادة تعريف الأمن اللبناني وفق المصالح الأمريكية والصهيونية.

فالدعم العسكري والمالي للجيش اللبناني لا يُقرأ هنا باعتباره دعماً مجرداً لمؤسسات الدولة، بل كأداة لإعادة توزيع موازين القوة داخل لبنان، وتحويل الجيش إلى بديل عن المقاومة في وظيفة الدفاع عن الجنوب.

وهنا يظهر جوهر الخلاف: هل المطلوب بناء دولة قوية بقرار مستقل، أم بناء دولة تُدار ضمن سقف أمني تحدده واشنطن وتل أبيب؟

السلطة اللبنانية بين خطاب السيادة وواقع القيود

رفعت السلطة اللبنانية شعار استعادة السيادة وعودة اللبنانيين إلى أرضهم، لكن خصوم الاتفاق يرون تناقضاً بين الخطاب السياسي والواقع الميداني.

فإذا كان الاحتلال يحتفظ بحق البقاء في مناطق لبنانية ويربط الانسحاب بشروط مسبقة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: أي سيادة تُستعاد إذا كان قرار الانسحاب لا يزال مرتبطاً بموافقة الاحتلال؟

إن الدولة اللبنانية دخلت مساراً تفاوضياً تحت ضغط دولي واقتصادي وسياسي، وأنها قبلت بإطار يعيد تعريف الصراع من قضية احتلال وعدوان إلى قضية ترتيبات أمنية داخلية.

فالدولة، لا تستعيد قوتها عندما تُطلب منها مواجهة المقاومة قبل إنهاء التهديد الخارجي، بل عندما تمتلك القدرة الفعلية على حماية أرضها وقرارها الوطني.

المقاومة وإيران... محاولة الإقصاء أم استمرار المعادلة؟

إن محاولة إخراج حزب الله وإيران من المشهد ليست جديدة، لكنها تزداد وضوحاً مع كل مسار سياسي جديد.

فالكيان الصهيوني يريد جنوباً لبنانياً منزوع القدرة على الردع، والولايات المتحدة تريد لبناناً خارج دائرة النفوذ الإيراني بحسب رأيها، بينما ترى قوى المقاومة أن إنهاء دورها قبل ضمان حماية لبنان يعني تجريد الدولة من عنصر القوة الذي منع تكرار الاحتلال.

وفي هذا السياق، فإن المقاومة لا تُقدَّم كطرف تفاوضي عابر، بل كجزء من معادلة نشأت نتيجة الصراع مع الاحتلال.

أما إيران، وبرؤية واقعية ينظر إليها باعتبارها قوة إقليمية دعمت هذه المعادلة ومنعت سقوط المنطقة بالكامل تحت الهيمنة الأمريكية والهصيونية.

في المحصلة، يكشف الاتفاق الإطاري اللبناني ـ الصهيوني أن المعركة لم تعد تدور فقط حول الحدود، بل حول هوية النظام الإقليمي الذي سيولد بعد سنوات الصراع.

فبينما تقدمه واشنطن وتل أبيب كخطوة نحو الاستقرار، يرى محور المقاومة أنه محاولة لتحويل نتائج المواجهة العسكرية إلى مكاسب سياسية، عبر تثبيت وجود الاحتلال، وتقييد المقاومة، وإبعاد إيران عن صياغة مستقبل المنطقة.

لكن الحقيقة التي تبقى حاضرة في قلب هذا الصراع أن السيادة لا تُقاس فقط بما يُكتب على الأوراق، بل بما تفرضه موازين القوة على الأرض.

فالحدود التي تُرسم بالحبر قد تتغير، أما المعادلات التي تصنعها إرادة الشعوب وقدرتها على الردع فهي التي تحدد شكل المستقبل.

أهم الأخبار