. الجزء الأول
يونيو ١٩٨٢. صيف لا يُنسى في لبنان. إسبانيا تستضيف كأس العالم لكرة القدم، بينما يتقدم العدو الإسرائيلي بالدبابات نحو بيروت. على جبهات القتال، كان المقاتلون يحملون كلاشينكوف وراديو معاً.
بعد أقل من أسبوعين من بدء الاجتياح الإسرائيلي، سقطت بيروت، وفازت إيطاليا بكأس العالم. أهدى المنتخب الإيطالي فوزه لمنظمة التحرير الفلسطينية.
كانت لفتة المنتخب الإيطالي، رغم شاعريتها، قصيرة الأمد، إذ فُسرت كبطاقة حمراء. سرعان ما دخلت إلى الساحة السياسية واكتسبت معنى مختلفاً. في بعض الخطابات، تحوّل فوز إيطاليا "التضحي" إلى نوع من التعويض عن الهزيمة الساحقة التي منيت بها منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت.
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تُلقي فيها السياسة بظلالها على كرة القدم، ولن تكون الأخيرة بالتأكيد.
أقيمت كأس العالم السابقة (٢٠٢٢)، وشهدت واحدة من أجمل المباريات في تاريخ كرة القدم: النهائي بين فرنسا والأرجنتين. ارتفع عدد مشجعي الأرجنتين في ذلك النهائي بشكل هائل، ليس حباً بميسي أو دي ماريا، بل كراهية لفرنسا وتاريخها الاستعماري. تحول الملعب إلى فضاء للإسقاط السياسي والأخلاقي، وكأن تسعين دقيقة على أرض الملعب يمكنها أن تسوي حسابات تاريخية.
بالنسبة لكثيرين، كانت تلك المباراة أقل ما تكون مباراة كرة قدم، وأكثر ما تكون اختباراً للإرث الاستعماري. في النهاية، فازت الأرجنتين على فرنسا، ورفع ميسي، الذي أقام على مر السنين علاقة "روحية" مع إسرائيل، كأس العالم فوق رأسه. وفي الوقت نفسه، عاد ذلك المشاهد الذي لجأ إلى كرة القدم بحثاً عن تعويض رمزي لهزيمته السياسية، إلى واقعه المنكسر، تماماً كما كان قبل صافرة البداية.
صحيح أن منتخب أيرلندا وجماهيره وقفوا إلى جانبنا، رافعين أعلام فلسطين وهاتفين تضامناً مع قضيتنا. وصحيح أيضاً أن هذا الكاتب، كمشجع لمنتخب إيطاليا، يشعر بالفخر أمام أصدقائه كلما تذكر قصة إهداء المنتخب الإيطالي كأس العالم لمنظمة التحرير الفلسطينية.
في النهاية، الملاعب ليست محصنة ضد المآسي والرغبات والهويات، وتسلل المواقف السياسية إلى فضاءات غريبة عنها هو امتداد للعبة نفسها.
تبدأ المشكلة في اللحظة التي تتعدى فيها السياسة على كرة القدم إلى درجة أن تبتلعها بالكامل، وتحولها بذلك إلى أداة هامشية وطائعة. عندما تتحول الفرق المتنافسة إلى مجموعات تمثل قضايا، أو تُعتبر تعبيراً كاملاً عن أنظمتها وتواريخها الوطنية، وعندما تتحول مباراة إلى محاكمة أيديولوجية، حينها تتحول كرة القدم من لحم ودم وعرق إلى استعارة مدوية، في تناقض كامل مع اللعبة.
اللعبة، في جوهرها، تقاوم المعنى الخالص؛ فهي ارتجال، إمكانية، حرية، مفاجأة، تلقائية، وجمال غير محسوب.
في اللحظة التي يُطلب من كرة القدم فيها أن تبرر نفسها سياسياً، تفقد ذلك التطرف الجمالي المتأصل الذي جعلها، في المقام الأول، كرة قدم. تفقد خفتها، تلك الصفة التي تجعلها حدثاً يتسع للمفاجأة، والعامل البشري، والانفجارات المفاجئة. تفقد جوهرها كحدث خاضع لتمريرة خاطئة، أو مفاجأة هدف، أو ارتباك حارس مرمى، أو ارتجال لاعب.
السبب هو أن كرة القدم تجربة حية، وليست مجموعة من المواقف الثنائية (مع/ضد) الجاهزة للتبني.
المصدر: مقال "مخلوف ستون" من صحيفة الأخبار اللبنانية حول سياسة كرة القدم