شاركوا هذا الخبر

العلامة عبد الرحمن بن شمس الدين للكوثر: دراسة حادثة غدير خم عبر المشتركات العقائدية تمثل مدخلاً علمياً لتعزيز الوحدة والحوار بين المسلمين

صنعاء ـ الكوثر في حوار خاص مع قناة الكوثر، أكد العلامة عبد الرحمن بن شمس الدين، أحد القامات العلمية والشخصيات الدينية وعضو رابطة علماء اليمن، أن دراسة حادثة غدير خم بالاستناد إلى المشتركات العقائدية بين الشيعة وأهل السنة تمثل منهجًا علميًا وموضوعيًا يمكن أن يسهم في تقريب وجهات النظر وتعزيز ثقافة الحوار الإسلامي، مشيرا إلى أهمية العودة إلى المصادر المعتمدة لدى مختلف المذاهب الإسلامية لفهم الحدث ودلالاته.

العلامة عبد الرحمن بن شمس الدين للكوثر: دراسة حادثة غدير خم عبر المشتركات العقائدية تمثل مدخلاً علمياً لتعزيز الوحدة والحوار بين المسلمين

وأوضح العلامة ابن شمس الدين، في معرض حديثه عن الكيفية العلمية لدراسة حادثة غدير خم من خلال القواسم المشتركة بين المسلمين، أن أفضل منهج لذلك يتمثل في دراسة سند الحديث ودلالة النص عبر المصادر المعتمدة لدى المذاهب الإسلامية.

وأشار إلى أن الخطوة الأولى تتمثل في إثبات صدور الحديث من خلال دراسة السند، مبينًا أن علماء الفريقين يتفقون على صحة أصل الحديث وثبوته، إذ رُوي في أهم كتب الصحاح والمسانيد عند أهل السنة، مثل صحيح مسلم، وسنن الترمذي، ومسند أحمد، كما ورد في الكتب المعتمدة لدى الشيعة.

وأضاف أن مسألة التواتر تشكل جانبًا مهمًا في هذا السياق، إذ يرى علماء الشيعة وعدد من كبار محققي أهل السنة، ومنهم ابن حجر العسقلاني وابن كثير، أن حديث الغدير بلغ حد التواتر لكثرة رواته في حجة الوداع، الأمر الذي يجعله قطعي الصدور.

وفيما يتعلق بدلالة النص، أوضح عضو رابطة علماء اليمن أن العبارة المركزية في الحديث الشريف: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه" تُدرس من خلال دلالاتها اللغوية والتاريخية المشتركة، لافتًا إلى أن اللغويين والمفسرين من الطرفين يتفقون على أن لفظ "المولى" يحتمل عدة معان، من أبرزها: الأولوية بالتدبير، والإمامة، والنصرة، والمحبة.

كما لفت إلى أهمية دراسة القرائن الحالية المرتبطة بالواقعة، ومنها الزمان والمكان، حيث وقع الحدث في منطقة غدير خم وقت الظهيرة أثناء عودة المسلمين من حجة الوداع، مع جمع الحجيج في مكان واحد. وأضاف أن الباحثين يدرسون كذلك اقتران الحادثة بآية التبليغ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}، وآية إكمال الدين: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}.

وفي سياق الحديث عن السبل الكفيلة بالوصول إلى رؤية جامعة حول دلالات الحادثة، دعا العلامة ابن شمس الدين إلى تحليل آراء المفسرين والمحدثين في المراجع المعتمدة لدى المسلمين، موضحًا أن ذلك يشمل مراجعة شروح صحيح مسلم وسنن الترمذي، ومنها كتاب «تحفة الأحوذي» وشرح الإمام النووي، لمعرفة تفسير علماء أهل السنة للفظ «المولى»، ثم مقارنته بتفاسير علماء الشيعة للوقوف على نقاط الالتقاء في الفهم.

وحول الدلالات المعاصرة لخطبة غدير خم ودورها في تعزيز التعايش والحوار بين المسلمين، أكد العلامة عبد الرحمن بن شمس الدين أن هذه الخطبة تمثل نقطة ارتكاز تاريخية ودينية جامعة، وأن مضامينها العميقة، بعيدًا عن الجوانب الخلافية، تشكل أساسًا متينا لترسيخ ثقافة الحوار والتعايش بين أبناء الأمة الإسلامية.

وأوضح أن من أبرز هذه المضامين ما يتعلق بمرجعية «الثقلين»، حيث تضمنت الخطبة وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إني قد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي". وبيّن أن هذه الوصية تعزز التعايش من خلال التأكيد على الأصول المشتركة، وفي مقدمتها الاحتكام إلى القرآن الكريم بوصفه المرجعية العليا التي تجمع المسلمين جميعًا، فضلًا عن الالتفاف حول المرجعية الروحية المتمثلة بأهل البيت عليهم السلام، باعتبارهم صمام أمان لفهم الدين وروح الوحدة.

كما أشار إلى أن الخطبة تضمنت دعوة عملية إلى الاستشارة والحوار الجماعي، موضحًا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعلن مضمونها في لقاء محدود، وإنما طرحها في أكبر تجمع بشري آنذاك خلال حجة الوداع، وهو ما يعكس جملة من القيم الحوارية المهمة.

وأضاف أن هذا الأسلوب يؤكد مبدأ إشراك الأمة وأخذ البيعة من الحاضرين، بما يعزز ثقافة الشورى وتقبل الاختلاف وبناء القرارات بالتفاهم بدلًا من الإقصاء، فضلًا عن تكريس مبدأ الشفافية في الخطاب من خلال طرح القضايا المصيرية بصورة علنية، بما يمنع الشائعات ويسهم في بناء مجتمع إسلامي متماسك.

وتطرق العلامة ابن شمس الدين إلى ما وصفه بمبدأ الأخوة وقبول الآخر الذي رسخته الخطبة، مبينًا أن إعلان النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه" يمكن فهمه في سياق تعزيز التعايش والوحدة بين المسلمين.

وأوضح أن الولاية في هذا الإطار تعني رابطة المحبة والمودة والنصرة بين أبناء الأمة، كما أنها تؤكد نبذ الفرقة وجعل الولاء المتبادل إطارا جامعا للمسلمين، بما يذيب العصبيات القبلية والعرقية ويوحد الصف الداخلي.

وأكد كذلك أن من الدروس المهمة المستفادة من خطبة الغدير ترسيخ أدب ا لاستماع والاختلاف، موضحًا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حرص على تهيئة الأجواء قبل إعلان مضامين الخطبة، وهو ما يعلم المسلمين الانفتاح واحترام الرأي الآخر، حتى مع وجود تباين في القراءات ووجهات النظر.

وأضاف أن روح الخطبة تتجسد اليوم في ضرورة اعتماد الحوار الموضوعي بين مختلف المذاهب الإسلامية، سعيًا للوصول إلى الغايات الكبرى للإسلام المتمثلة في الأخوة الإنسانية والسلام.

وفي معرض حديثه عن آليات طرح القضايا العقائدية بأسلوب يمنع التوتر المذهبي ويسهم في التقريب بين المذاهب الإسلامية، شدد العلامة عبد الرحمن بن شمس الدين على أهمية التركيز على المشتركات والتأكيد على جوهر الدين بدلا من التفاصيل الخلافية، إلى جانب اعتماد الحوار الموضوعي القائم على الدليل.

وأوضح أن من أبرز الأساليب المطلوبة في هذا المجال التركيز على الأصول والمحكمات، من خلال إبراز أركان الإيمان والإسلام المتفق عليها بين المسلمين، وتجنب الانشغال بالفروع والمسائل الجزئية التي تثير الجدل وتستفز العواطف.

كما دعا إلى اعتماد الحوار العلمي والموضوعي من خلال مناقشة القضايا في الأطر الأكاديمية والمجامع الفقهية وبين العلماء والمختصين، بعيدًا عن الإعلام الجماهيري والخطابات العاطفية التي قد تؤدي إلى زيادة التوتر والانقسام.

وأشار إلى أهمية استخدام المنهج التاريخي التحليلي لفهم الخلافات في سياقاتها التاريخية والسياسية والاجتماعية، موضحًا أن كثيرا من الخلافات تمثل تنوعا في الفهم، وليست تناقضا في الأصول والثوابت.

وأكد كذلك ضرورة الالتزام بأدب الاختلاف، وحسن الظن، واحترام التنوع الفقهي والعقائدي، واعتباره إثراءً للأمة الإسلامية وتوسعةً عليها، مع الابتعاد عن أساليب التكفير أو التسفيه أو الانتقاص من آراء الآخرين.

وفي ختام حديثه، شدد العلامة المجتهد عبد الرحمن بن شمس الدين على أهمية إبراز مقاصد الشريعة، وربط الأحكام والقضايا العقائدية بتحقيق مصالح العباد ودفع المفاسد وتعزيز القيم الإنسانية والأخلاقية المشتركة، وفي مقدمتها العدل والرحمة، بما يسهم في ترسيخ الوحدة الإسلامية وخدمة قضايا الأمة.أبرز ما تم تعديله هو تصحيح علامات الترقيم، وتوحيد أسلوب كتابة الأسماء والألقاب، وإصلاح بعض التراكيب النحوية والربط بين الجمل، مع الحفاظ على المضمون الأصلي وعدم إدخال أي تغيير فكري أو تحريري جوهري.

أجرت الحوار: الدكتورة معصومة فروزان

أهم الأخبار

الأكثر مشاهدة