شاركوا هذا الخبر

تصريحات جوزيف عون ونواف سلام بين حد الاتهام ووهج الحقيقة - بقلم الإعلامي ميثم ماجد

في لحظة تتشابك فيها الحسابات الإقليمية مع الهواجس الداخلية، برزت تصريحات الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام لتضع إيران في قلب السجال حول الجنوب اللبناني. وبين خطاب يحمّل طهران وحزب الله مسؤولية حرب لم يبدآها، ووقائع دامغة تُظهر حجم الخرق الصهيوني، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة قراءة المشهد بعيداً عن الالتباس. فالحقيقة، مهما حاول البعض طمسها، تبقى أوضح من أن تُختزل في روايات مبتورة.

تصريحات جوزيف عون ونواف سلام بين حد الاتهام ووهج الحقيقة - بقلم الإعلامي ميثم ماجد

في لحظة سياسية شديدة الحساسية، خرج كل من الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام بسلسلة تصريحات بدت، في ظاهرها، دعوة إلى العقلانية وحماية لبنان، لكنها في عمقها حملت التباساً خطيراً في تشخيص مصدر الخطر، وانزياحاً عن الوقائع التي عاشها الجنوب اللبناني طوال خمسة عشر شهراً من اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته واشنطن ولم تلتزم به تل أبيب يوماً واحداً.

انطوت هذه التصريحات على تحميل إيران والمقاومة اللبنانية مسؤولية حرب لم يبدآها، وتجاهلت حقيقة دامغة بأن الجنوب اللبناني كان يُقصف بلا توقف منذ اللحظة الأولى للاتفاق، وأن أكثر من خمسمئة شهيد سقطوا خلال تلك الفترة من دون أن يخرق حزب الله الاتفاق ولو مرة واحدة. إنها مفارقة لا يمكن القفز فوقها، ولا يمكن لأي خطاب رسمي أن يمحوها من ذاكرة الناس.

حين يختلط التشخيص بالاستنتاج… وتضيع البوصلة

نواف سلام يقول إن "الجنوب وأهله يدفعون ثمن قرار لم يتخذوه"، وإن "إيران تتعامل مع الجنوب كورقة تفاوضية". أما جوزيف عون فيذهب أبعد، متحدثاً عن "استغلال إيران للبنان"، وعن "شعب سئم الحرب بين إسرائيل وحزب الله".

لكن السؤال الجوهري الذي تغافل عنه الرجلان هو من الذي بدأ الحرب أصلاً؟ ومن الذي خرق الاتفاق؟ ومن الذي قصف القرى والبلدات والمزارع والمستشفيات والمدارس؟

الوقائع لا تحتاج إلى تأويل. فقبل العدوان الصهيوأمريكي الأخير على إيران، كان الكيان هو من خرق وقف إطلاق النار بشكل واضح، حيث كان الجنوب يتعرض للقصف والاستهداف بينما الحكومة اللبنانية صامتة. أما الولايات المتحدة، بصفتها راعية الاتفاق، فلم تردع الاحتلال ولم تصدر حتى بيان إدانة.

أما حزب الله فالتزم الاتفاق التزاماً كاملاً رغم سقوط مئات الشهداء. فكيف يصبح الملتزم مسؤولاً، والمعتدي معفى من أي إشارة أو لوم؟

إيران… بين الاتهام المجاني ودورها الفعلي

حين يطالب نواف سلام إيران بأن "ترحم الجنوب"، وحين يقول جوزيف عون إن إيران "لا تحاول مساعدتنا"، فإنهما يتجاهلان حقيقة يعرفها كل متابع.

إيران كانت الطرف الوحيد الذي ضغط في مفاوضاتها غير المباشرة مع واشنطن لوقف الحرب على لبنان، ولمنع الاحتلال من توسيع عدوانه. ولولا هذا الضغط، ولولا معادلة الردع التي فرضتها المقاومة، لكان الجنوب اليوم تحت اجتياح شامل لا يُبقي ولا يذر.

إن تصوير إيران كطرف يستغل لبنان هو قراءة مبتورة، بل مجحفة، تتجاهل أن إيران لم تطلب يوماً من لبنان حرباً، ولم تكن يوماً من يخرق الاتفاقيات. وهي كانت وما زالت تعتبر لبنان جزءا من أمن المنطقة، لا ورقة تفاوضية.

أما من استخدم لبنان ورقة تفاوضية فعلاً، فهو من ترك الجنوب يُقصف بلا ردع، ومن اكتفى بالتصريحات، ومن راهن على سلام لا يحمي أرضاً ولا يصون كرامة.

المقاومة تُدان لأنها لم تخضع

تصريحات سلام وعون حملت نبرة لوم مبطّن لحزب الله، وكأن المقاومة هي التي جرّت لبنان إلى الحرب. لكن الوقائع تقول العكس تماما. فالمقاومة لم تبدأ الحرب، ولم تخرق وقف إطلاق النار، ولم تردّ إلا بعد أن تجاوز الاحتلال كل الخطوط.

المقاومة كانت، وما زالت، السدّ الذي يمنع الكيان الصهيوني من تحويل الجنوب إلى ساحة مفتوحة للقتل. والأهم من ذلك، لو لم تكن المقاومة موجودة، لكان الاحتلال قد فرض شروطه على لبنان من دون أن يكلّف نفسه حتى عناء التفاوض.

بين خطاب الدولة وخطاب الواقع

إذا ما نظرنا إلى تصريحات عون وسلام إيجابياً، فلا يمكن إنكار أنهما يتحدثان من موقع المسؤولية، ليسعيان إلى تجنيب لبنان مزيداً من القتل والدمار. لكن المسؤولية لا تعني القفز فوق الحقائق، ولا تعني مساواة الضحية بالجلاد، ولا تعني تحميل إيران وحزب الله ما ارتكبه الكيان بدعم أمريكي.

فبالتالي، يجب أن يكون خطاب الدولة مبنياً على قراءة دقيقة للواقع، وعلى تحديد واضح لمصدر العدوان، وعلى حماية الجنوب لا عبر لوم من دافع عنه، بل عبر ردع من اعتدى عليه، وفهم أن التفاوض لا قيمة له ما دام الاحتلال يقصف، وما دامت واشنطن تغطي القصف.

الحقيقة التي لا يمكن طمسها

مهما تعددت الخطابات، تبقى الحقيقة واحدة. الجنوب لم يُستهدف لأنه ورقة إيرانية، بل لأنه نقطة ضعف في حسابات الاحتلال، ولأنه اعتقد أن لبنان بلا حماية.

لكن المقاومة أثبتت عكس ذلك. فإيران دعمت هذا الثبات. وواشنطن وتل أبيب هما من خرق الاتفاق، لا حزب الله. كما أن الخمسمئة شهيد ليسوا رقماً في بيان، بل دماء سالت لأن الدولة صمتت، ولأن الاحتلال لا يعرف إلا لغة القوة.

إن تصريحات نواف سلام وجوزيف عون، مهما كانت نياتها، جاءت في توقيت خاطئ، وبقراءة ناقصة، وبانحياز مقصود أو غير مقصود إلى الرواية التي يريد الكيان المحتل تكريسه. الرواية التي تقول إن لبنان ضحية صراع الآخرين.

لكن الحقيقة أن لبنان ضحية الاحتلال، وضحية صمت المجتمع الدولي، وضحية اتفاق لم تُحترم بنوده، وضحية خطاب رسمي يحمّل المقاومة ما لم ترتكبه، ويتجاهل أن الجنوب لم يُحم يوماً إلا حين كانت المقاومة هي التي تتقدم الصفوف.

إن النقد هنا ليس إساءة، بل محاولة لإعادة البوصلة إلى اتجاهها الطبيعي. حيث يكون الاحتلال هو العدو، والمقاومة هي الحامي، وإيران هي الداعم، والجنوب هو القلب الذي لا يجوز أن يُترك وحيداً.

أهم الأخبار