"البعثة" هي كلمة مألوفة ومتكررة في هذه الأيام. منذ ذلك الوقت الذي فاض فيه الدم الطاهر للخامنئي، فأثار دماءنا، وأنهض النفوس، وأحدث ضجة في المنطقة، وجدنا أنفسنا في موقع قيل لنا فيه: "أمة مبعوثة"، دون أن نعرف حقيقة ما نحن عليه وماذا فعلنا، وما معنى هذا التعبير؟ منذ ذلك المساء المشؤوم الأول، طوعًا أو كرهاً، قمنا، وشعرنا على أكتافنا بحملٍ عظيمٍ وثقيل، حملُ الخامنئي الشهيد، لكي نصرخ بهذه الكبت المكبوت ليس في الزوايا والخلوات، بل في الأسواق والشوارع، ونقول لبعضنا: هل تعلم الآن ما هي المسؤولية الجسيمة التي وُضعت على عاتقنا؟ وهذا "الإحساس بالمسؤولية" هو حجر الأساس لهذه البعثة والرسالة...
إن البعثة التي حدثت كانت من نفس النوع الذي عرّفه القائد الشهيد بقوله: "تعني الحركة، والتحرك بعد الفتور والكسل والركود"؛ لم نعد منذ تلك الليلة الأمة التي كنا عليها سابقاً؛ هذه كانت "بعثتنا الداخلية" التي أوجدت "البعثة الخارجية" لكل واحد منا، ومن ثم للروح الجمعية للإيرانيين. يبدو أننا حملنا على عواتقنا مسؤولية العالم بأسره. وكأننا قد أجرينا ثورة جديدة في هذا البلد. لكن هذه لم تكن بعثتنا الأولى...
بعثتنا الأولى والأصلية جاءت بنفس المسيحائي للخميني. هو الذي كان أول المبعوثين والنبي الأكبر لهذه الثورة، أحدث في هذا العصر الجاهلي الحديث تحولاً في مركز إيران ثم في العالم المحيط بها، لا نظير له في التاريخ. نعم، إذا كانت أمتنا وجبهة المقاومة اليوم مبعوثة، فإن مداها هو الموج الهادر الخالد "بعثة الخميني"؛ هو الذي دعانا في ريعان شبابنا إلى "القيام لله"، وفي منتصف العمر ليس على طريقة غيره من المصلحين الاجتماعيين والمراجع الدينية، بل كنبي قام من أجل الله وقاد هذا القيام؛ هو الذي علّمنا أولاً أن هذه البعثة بدون جهاد وتوجه ضد الطاغوت (سواء كان الطاغوت الداخلي والنفس الأمارة، أم الطاغوت الخارجي) لا معنى لها، وثانياً أنه عرّف نطاق الرسالة والمسؤولية بأنه "عالمي".
هذه هي معالم "بعثة النبي الأكرم (ص)" التي تُعد بعثة الخميني رشحة من رشحاتها؛ وهو نفس خط "وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ" من أجل تحرير الإيرانيين، ومن أجل تحرير المسلمين، بل بتعبير أدق، من أجل تحرير "الإنسان". بتعبير قائدنا الشهيد: "لقد عمل الإمام الخميني (ره) تمامًا بنسخة بعثة النبي (ص)؛ المعارف هي نفس المعارف؛ والقيم هي نفس القيم؛ والأحكام هي نفس الأحكام؛ والمسير نحو تحقيقها هو نفسه."
نعم، إذا كنا اليوم فخورين ومعتزين أمام التاريخ، فإن بعثتنا اليوم هي ثمرة قيام موسى الخميني وملحمة حسين الخامنئي.
بقلم: محمد رضا كوهكن | باحث في حلقة الدبلوماسية العامة للثورة الإسلامية، مركز نمو جامعة الإمام الصادق (ع)