الكوثر_فلسطين المحتلة
تناولت قناة الجزيرة الإخبارية في تقرير مفصل أبعاد التحولات الهيكلية في قطاع غزة خلال السنوات الثلاث الماضية.
وقد سوت الضربات الجوية والبرية والمدفعية المتواصلة للجيش الاحتلال الإسرائيلي أجزاء واسعة من هذا القطاع بالأرض، وقضت على البنية التحتية الحيوية والمنازل وخطوط نقل المياه والكهرباء.
ووفقاً لأحدث تقرير لوزارة الصحة في غزة، تجاوز عدد الشهداء الفلسطينيين 74 ألفاً و245 شخصاً.
وقف إطلاق النار لم ينهِ معاناة المدنيين
ورغم أن اتفاقاً تحت مسمى وقف إطلاق النار دخل حيز التنفيذ في (أكتوبر 2025)، إلا أن هذه الخطوة لم تنهِ معاناة المدنيين؛ إذ تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن ألفاً و462 فلسطينياً استُشهدوا حتى بعد بدء هذا الاتفاق بسبب استمرار الهجمات وإطلاق النار من قبل العسكريين الإسرائيليين.
وقد دفعت هذه النزاع الطويل البنى الاقتصادية والتعليمية والمنظومات العلاجية إلى حافة الانهيار، وحولت الحصول على مياه الشرب والغذاء والوقود إلى معركة منهكة.
تحديات الحياة اليومية وأزمة المياه والكهرباء
أصبحت الحياة اليومية في غزة الآن تدور حول الاحتياجات الأولية.
ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة في (سبتمبر)، فإن 94% من إجمالي السكان في غزة بحاجة إلى مساعدات عاجلة للإسكان والمواد المنزلية.
كما أن 65% من العائلات، بسبب التدمير الكامل للمنازل أو أوامر الإخلاء القسري، تعيش في خيام قماشية ومأوى مؤقتة لا تحمي من الحرارة والأمطار.
وقد وصلت أزمة المياه إلى مرحلة خطيرة؛ إذ تُظهر فحوصات الأمم المتحدة أن 91% من العائلات في شهر مرداد الماضي (أوائل أغسطس) واجهت انعداماً شديداً ومتوسطاً في الوصول إلى المياه.
وتعطلت شبكة الكهرباء الوطنية بالكامل، واضطرت المستشفيات والمنازل إلى استخدام مولدات كهربائية متهالكة وكميات قليلة من الوقود وقطع غيار نادرة.
كما جعل تدمير الطرق والخلل العميق في شبكات الاتصالات التنقل والاتصالات الأولية بالغة الصعوبة.
السقوط الحر لمؤشرات الإنتاج وارتفاع الأسعار بنسبة 200%
وُصفت أبعاد الانهيار الاقتصادي في قطاع غزة في التقارير الدولية بأنها غير مسبوقة.
فقد أعلن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) في تقديراته الشهر الماضي أن 92% من إجمالي المنشآت التجارية والاقتصادية في غزة دُمرت أو تضررت بشكل جدي.
ووصل معدل البطالة إلى 78%، وتراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025 إلى رقم ضئيل قدره 212 دولاراً، ما يشير إلى انخفاض إلى 17% من مستوى عام 2022.
ولا يتجاوز الإنتاج في قطاعي الزراعة والصناعات المصنعية سوى 6% من طاقة عام 2022، كما توقف قطاع البناء عملياً بعد انخفاضه إلى 1%.
وقد أدى إغلاق الحدود والقيود الشديدة على دخول البضائع من قبل إسرائيل إلى بقاء المستوى العام للأسعار نحو 200% أعلى من فترة ما قبل الحرب.
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن مجتمع غزة قد أُعيد إلى الوراء عقوداً، وأن الاقتصاد المحلي أصبح يعتمد على مساعدات المؤسسات الإنسانية والديون والأعمال الصغيرة بأدوات أولية؛ حتى إنه مع ندرة النقود الورقية، اضطرت العائلات إلى استخدام محافظ النقود الرقمية والحوالات الإلكترونية.
عزلة 700 ألف طالب ومنظومة صحية نصف ميتة
يواجه قطاع التعليم في غزة أزمة أجيال لا يمكن تعويضها.ووفقاً لتقرير اليونيسف، تضرر أو دُمّر ما يقرب من 98% من المدارس والمباني التعليمية، كما تُستخدم المباني المتبقية لإيواء النازحين.
وحتى (أبريل 2026)، حُرم نحو 700 ألف طفل في الفئة العمرية من 4 إلى 17 عاماً من التعليم الحضوري في الفصول الدراسية للسنة الثالثة على التوالي، ولا يصل نحو 200 ألف طفل إلى أي آلية تعليمية.
وحذرت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية من أن فقدان المهارات الأساسية والفجوة التعليمية الناتجة تهدد مستقبل جيل كامل.
وفي مجال الصحة، تعرضت جميع المستشفيات الـ36 في غزة لتدمير وأضرار مادية، ووفقاً لبيانات منظمة الصحة العالمية، فإن 19 مستشفى فقط تعمل بشكل محدود وبدوام جزئي، ولا يعمل أي مركز بطاقته الكاملة.
وقد أصاب نقص معدات غسيل الكلى وأدوية مرضى السرطان ومعدات التشخيص
علاج المرضى ذوي الاحتياجات الخاصة بالشلل.
ورغم خروج نحو 12 ألفاً و400 مريض للعلاج خارج قطاع غزة، فإن عشرات الآلاف من المصابين الذين يحتاجون إلى علاجات متخصصة لا يزالون في انتظار التصاريح اللازمة، في حين يزيد الكثافة السكانية في المخيمات من خطر تفشي الأمراض المعدية.
السيطرة على 70% من الأراضي بالخط الأصفر العسكري وجمود الحكم
غيّرت قوات الاحتلال الإسرائيلي الحدود الداخلية للقطاع بفرض خطوط فاصلة عسكرية.
وقد ثبت أحد هذه الخطوط المسمى "الخط الأصفر" بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 داخل المناطق السكنية، وقام جيش الاحتلال الإسرائيلي بتقدم مستمر لهذا الخط إلى عمق الأحياء، مما أدى إلى إخلاء مناطق إضافية.
وأوضح المرصد الحقوقي "أوروميد" في تقريره الشهر الماضي أن الاحتلال العسكري والحواجز الفاصلة الإسرائيلية تشمل الآن نحو 70% من إجمالي مساحة غزة؛ ما يعني أن أكثر من مليوني مواطن فلسطيني تكدسوا في أقل من 30% من الأراضي.
وتمثل مدينة رفح مثالاً بارزاً على هذا التغيير الجغرافي؛ فالمدينة الحدودية التي كانت سابقاً ملجأً لأكثر من مليون نازح، أصبحت الآن بالكامل تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي باستثناء الشريط الساحلي المواصي، وأصبح عودة النازحين إلى منازلهم مستحيلة.
وفي المجال الإداري، تعرضت هياكل الإدارة المدنية لخلل كبير.
ورغم أن حركة حماس أعلنت في (يوليو) استعدادها لتسليم الصلاحيات الإدارية إلى "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" كهيكل تكنوقراطي، إلا أن هذا الانتقال لم يُنفذ حتى الآن.
بالإضافة إلى ذلك، سجّل مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أنه بين دي وأرديبهشت الماضيين، وقعت ما لا يقل عن 12 هجوماً مستهدفاً على قوات الشرطة المحلية ومقرات الأمن، أسفرت عن استشهاد 53 شخصاً بينهم 35 شرطياً؛ هجمات يقيّمها مركز حقوق الإنسان الفلسطيني كعامل رئيسي في تفاقم الفوضى وخلق فراغ أمني ونهب المساعدات الإنسانية.