شاركوا هذا الخبر

«جهاد التبيين» للإمام الرضا (ع) في المناظرات العلمية

ذكرت إدارة العلاقات العامة والإعلام في معهد الثقافة والفكر الإسلامي، نقلاً عن وكالة "مهر" للأنباء، أن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) الملقب بـ "عالم آل محمد" (ص)، هو إمام كامل أشرق على الحقائق، وتزيّن بالفضائل الأخلاقية والمكارم العليا. جميع الكمالات التي وهبها الله والتي يمكن تحقيقها في الأفراد، تجلّت وتحقّقت في شخص الإمام. الإمام هو واسطة فيض الرب، والرابط بين الإنسان وعالم الغيب.

«جهاد التبيين» للإمام الرضا (ع) في المناظرات العلمية

الكوثر_العالم الاسلامي

هو القائد الفذّ وقافلة سالك درب الإنسانية، ولا بد أن يوجد في المجتمعات البشرية مثل هذا الشخص الجدير، الذي هو دائمًا تحت الهداية والعناية الإلهية الخاصة، ومن خلال الباطن والجوهر يصل بكل فرد نال الأهلية إلى الكمال المنشود وفقًا لاستعداده. يعيش الإمام دائمًا تحت تربية الله وهدايته وولايته المباشرة، وهو في عصره أعلى الناس وأكملهم وأفضلهم.

ومن أبرز مظاهر علم الإمام الثامن (ع) هي مناظراته مع أتباع الأديان والمذاهب المختلفة.

وقد أجرينا حوارًا مع حجة الإسلام محمد باقر بوراميني، عضو الهيئة العلمية ومدير مجموعة علم الكلام في معهد الحكمة والدراسات الدينية التابع للمعهد، حول هذا الجهاد العلمي للإمام (ع)، وفيما يلي خلاصته:


أوضح حجة الإسلام محمد باقر بوراميني أنه في فترة إمامة الإمام الرضا (ع)، كان الجهد الأكبر من قبل الحكم العباسي منصبًّا على محو مكانة الإمامة والمرجعية الدينية للإمام، وقال: لذلك حاول الحكام الجائرون بأساليب شتى إضعاف هذه المكانة المهابة، واستمر هذا الوضع في عصر المأمون العباسي أيضًا، ورغم أنه تظاهر في فترة بالصداقة والولاء، إلا أنه واجه الإمام بهذه الطريقة ليقف في وجه إقبال النخبة وعامة الناس على الإمام.

مناظرات الإمام الرضا (ع) مع مفكري الأديان والمذاهب الأخرى


أضاف: كانت معظم المناظرات التي جرت من قبل الحكم العباسي والمأمون، بهدف تضعيف الإمامة، لكن عقد هذه المجالس العلمية أدى إلى إقبال أكبر من العلماء والناس على تعلم العلم من الإمام، حتى أصبح مجلس الإمام وبيته مركزًا لتردد محبيه، كما أتاح الإمام مجالًا لنشر مذهب التشيع.

فدخل يونس بن عبد الرحمن مع آل يقطين، ودخلنا نحن أيضًا بعد الاستئذان. وعندما أذن لنا بالجلوس، طرح يونس بن عبد الرحمن أسئلةً وأخذ الأجوبة.

وأوضح: لكن هذه النهضة العامة تجاه الإمام لم ترضِ العباسيين، ففي البداية فرضوا قيودًا على تردد الآخرين. ينقل عبد السلام بن صالح الهروي: بلغ المأمون أن الإمام أقام مجالس للمناظرة الكلامية، حتى انجذب الناس إلى علمه. فأمر المأمون محمد بن عمر الطوسي بطرد الناس من مجلس الإمام.


وأشار بوراميني إلى أن ابن أبي الحديد المعتزلي وصف الإمام الرضا (ع) بأنه "أعلم الناس"، أي أعلم الناس، وهذا يشير إلى تفوق الإمام العلمي على جميع العلماء. فعندما قدم الإمام إلى مرو وجرت المناظرات التي رتّبها المأمون، ازداد اهتمام الجميع بالإمام أكثر من ذي قبل. يروي محمد بن عيسى أنه كان برفقة يونس بن عبد الرحمن لزيارة الإمام الرضا (ع)، فقال: بسبب كثرة الجمع، وقفنا عند باب دار الإمام. دخل من كان ينتظر قبلنا، ثم أذن لنا بالدخول.

ما هو الهدف الذي كان يرمي إليه المأمون العباسي من عقد المناظرات؟


أضاف عضو الهيئة العلمية في معهد الثقافة والفكر الإسلامي: تظاهر المأمون بين خلفاء بني العباس بحب العلم، لكن عقد هذه المناظرات يجب أن يُبحث عنه في حسده لمقام الإمام الرضا (ع) ومحاولته تقليل منزلته الفريدة. أراد المأمون بإقحام الإمام في الحوار، أن يمحو من أذهان العامة الصورة التي كانت لديهم عن أهل البيت (ع)، حيث كانوا يعتبرون الأئمة (ع) أعلم الناس وأصحاب العلم الإلهي.

ويشير الشيخ الصدوق في كتابه القيم "عيون أخبار الرضا (ع)" إلى سر عقد المناظرات قائلاً: "جمع المأمون كبار مفكري كل فرقة ليواجهوا الإمام، ليسقط حجته بهم، وذلك حسدًا منه للإمام ولمنزلته العلمية والاجتماعية، لكن لم يواجهه أحد إلا وأقر بفضله والتزم بالحجة التي أقامها الإمام ضده".

وأوضح: حاول المأمون أن يظهر نفسه محبًا للإمام، فسعى بكسب الظهور إلى استمالة الإمام. لكن الإمام كان يقول لأصحابه: "لا تغتروا بتظاهره، فسأُقتل على يد المأمون".

ورغم قرار المأمون، كانت إقامة هذه المجالس تزيد من مكانة الإمام يومًا بعد يوم، مما كان مزعجًا جدًا للخليفة، فقرر تقييد حركة الإمام. وفي هذا الصدد، انظر إلى رواية عبد السلام الهروي: أُخبر المأمون بأن الإمام الرضا (ع) يقيم مجالس كلامية، مما جعل الناس يفتتنون به. فكلّف المأمون محمد بن عمرو الطوسي بطرد الناس من مجلس الإمام. وبعد ذلك، دعا الإمام على المأمون.

لم يتحلَّ الإمام في المناظرات أبدًا بموقف هجومي، ولم يبدأ بالسؤال، بل كان بصبرٍ جمٍّ يفسح المجال للخصوم ليسبقوا بالسؤال

ذكر بوراميني: وبناءً على ذلك، كان تفوق الإمام في المناظرات العلمية أحد العوامل المهمة في استشهاده (ع). والدليل على ذلك شهادة أبي الصلت حيث قال: "إنما جعل المأمون الإمام الرضا (ع) وليًّا للعهد ليُري الناس أنه راغب في الدنيا، فيسقط من أعينهم، لكن لما لم يظهر للناس من الإمام إلا ما يدل على تفوقه على المأمون، دعا وجمع متكلمي سائر البلاد الإسلامية ليحكموا عليه علميًا ومن هذا الطريق يقللوا من مكانته عند العامة، لكن الإمام كان يغلب كل عالم يهودي أو نصراني... وكان الناس يقولون: إنه أحق بالخلافة من المأمون.

وكان الجواسيس يبلغون الخليفة بالأمر. وهكذا سمَّم المأمون الإمام."

أهداف الإمام (ع) في المناظرات


بيّن هذا الأستاذ الحوزوي: يمكن اعتبار "تبيين الحقيقة" وإزالة الغبار عن الوقائع، ومقاومة تيار التحريف والبدع، وتقديم الإسلام النقي المحمدي الصحيح، من جملة أهداف الإمام للمشاركة في المناظرات.

فقد واجه الإمام تيارًا كان يقلب الحقائق رأسًا على عقب، ومن البديهي أنه لم يكن بإمكان أحد سواه أن يقف في وجه هذه الحركة المضللة التي هدّدت معتقدات الناس في داخل العالم الإسلامي وخارجه كآكلة للعقول، ليُزيل الشبهات ويُبطل معادلات العدو. كانت المناظرات بالنسبة للإمام ميدان جهاد لتبيين الحقائق وتمييز الصحيح من السقيم.

وبيّن أن موضوع معظم المناظرات كان حول القضايا الاعتقادية والفقهية، وقد أشار إليها الشيخ الصدوق في "عيون أخبار الرضا" والطبرسي في "الاحتجاج" بشكل جزئي.

وبسبب امتلاكه القوة العلمية الهائلة، خاض الإمام (ع) جميع هذه المجالس وغلب خصومه وأعداءه، دون أن يلجأ إلى المغالطات الجدلية، على عكس بعض المجادلين الذين كانوا يلجؤون إليها لهدم حجة الخصم وإضعاف قوة استدلاله.

بل كان الإمام (ع) يعتمد في بيانه الواضح والمنهجي على أدلته القوية لإثبات الحق. أراد المأمون أن يجمع هؤلاء الزعماء ويواجههم بالإمام ليغلقوا عليه طرق البرهان والاستدلال بقدرتهم على المغالطة والجدل، لكن الإمام أظهر عدم اكتراثه بهم، واعتبر الموضوع تافهًا وعديم الأهمية.

وأضاف: لم يتحلَّ الإمام في المناظرات أبدًا بموقف هجومي، ولم يبدأ بالسؤال، بل كان بصبرٍ جمٍّ يفسح المجال للخصوم ليسبقوا بالسؤال. لذلك قال في البداية لرأس الجالوت (الزعيم الأعلى لليهود): "أتسألني أم أسألك؟" فقال رأس الجالوت: "أنا أسألك، لكن لا أقبل منك دليلاً إلا ما كان في التوراة أو الإنجيل أو الزبور أو صحف إبراهيم وموسى."

وأشار بوراميني إلى أن الإمام الرضا (ع) كان شديد الحرص على مراعاة الإنصاف في الحوار والمناظرة، فقال: كان الإمام يسعى لجريان الإنصاف في أجواء المناظرة. فقد قال (ع) لعمران الصابي: "سَلْ يا عُمْرانُ وَ عَلَيْكَ بِالْإِنْصَافِ وَ إِيَّاكَ وَ الْخَطَلَ وَ الْجَوْرَ" (أي: اسأل يا عمران وعليك بالإنصاف وإياك والمغالطة والجور). ومن المبادئ المهمة في المناظرة أن يستخدم الإنسان مع أي مجموعة، إضافة إلى البراهين العقلية، الأدلة التي يقبلها الطرف الآخر.

وقد راعى الإمام الرضا (ع) هذا الأصل في استخدام البراهين المقبولة لدى الخصم. قال الجاثليق للمأمون: "يا أمير المؤمنين، كيف أحتج مع رجل يحتج عليّ بكتاب أنا أنكره، ونبي لا أؤمن به؟" لكن الإمام حين واجه رأس الجالوت، تلا مقاطع من التوراة، مما أثار دهشة رأس الجالوت من تلاوته وبيانه وفصاحته.

وأضاف: قد يقر الخصم بالأمور في باطنه لكنه لا يعترف بها، وهنا يجب المناظرة للوصول إلى النتيجة المرجوة. وفي هذه الحالات، ينبغي استخدام أسلوب المفاجأة لإجبار الخصم على الاعتراف.


وختم بوراميني كلامه بنقل هذه الرواية عن أبي الصلت الهروي الذي قال: "ما رأيتُ أعلمَ من علي بن موسى الرضا (ع)، وكل عالم جالسه أو صاحبه كان يقر بذلك. جمع المأمون علماء الأديان وفقهاء الشرائع في مجلس واحد، ودعا الإمام الرضا (ع) لمناظرتهم، فأجابهم الإمام جميعًا، وأثنوا جميعًا على فضله وعلمه، وأقروا بعجزهم."

وعندما علم الجاثليق ورأس الجالوت باطلاع الإمام الرضا (ع) على التوراة والإنجيل، قالا: "والله، لقد جئتنا بما لا نستطيع رده إلا إذا أنكرنا التوراة والإنجيل والزبور."

 

أهم الأخبار

الأكثر مشاهدة