الكوثر_العالم
تصاعد الحرب في إيران وانعكاساتها على سوق الطاقة العالمية أظهر بصورة أوضح اعتماد دول «آسيان» الكبير على واردات النفط من غرب آسيا.
وقد ترافق ذلك مع اضطرابات في مسارات الشحن البحري، وتراجع قيمة العملات الوطنية، وارتفاع كلفة دعم الطاقة، والضغوط المتزايدة على الموازنات الحكومية، ما وضع اقتصادات المنطقة أمام تحديات جديدة.
تباين مواقف دول آسيان من الحرب
في أول رد فعل رسمي لها، دعت رابطة «آسيان» في بيان إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس من جانب إيران والولايات المتحدة، في موقف شابه إلى حد كبير رد فعل التكتل تجاه الحرب الروسية الأوكرانية، حيث شدد على تجنب الانحياز لأي من الطرفين.
إلا أن الدول الأعضاء تبنت مواقف متباينة. فقد ركزت الفلبين وتايلند على ضمان أمن مواطنيهما في الشرق الأوسط، بينما أدانت ماليزيا وبروناي الهجمات المشتركة التي نفذتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، واعتبرت كوالالمبور تلك الهجمات مخالفة للقانون الدولي.
في المقابل، سعى الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو إلى لعب دور أكثر فاعلية عبر اقتراح زيارة طهران والتوسط بين الأطراف المتنازعة. ورغم ترحيب طهران بالمبادرة وتقديرها لها، فإنها رأت أن فرص نجاحها محدودة. كما أثارت بعض الأوساط السياسية داخل إندونيسيا تساؤلات بشأن حياد جاكرتا، مستندة إلى انضمام البلاد مؤخراً إلى مجلس السلام الذي تقوده الولايات المتحدة.
إندونيسيا... أول المتضررين اقتصادياً من الأزمة
على الرغم من الجهود الدبلوماسية، كانت إندونيسيا، بوصفها أكبر اقتصاد في «آسيان»، الأكثر تأثراً بالتداعيات الاقتصادية للحرب.
فمنذ مطلع مارس/آذار 2026، فقدت الروبية الإندونيسية أكثر من 7% من قيمتها أمام الدولار الأمريكي، لتسجل أدنى مستوياتها منذ الأزمة المالية الآسيوية عام 1998. واستمرار تراجع العملة الوطنية دفع البنك المركزي إلى التدخل في سوق الصرف.
وفي الوقت نفسه، أدى إغلاق إيران لمضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، قبل أن تصل في مارس/آذار إلى نحو 120 دولاراً. ورغم تراجع الأسعار إلى ما يزيد على 70 دولاراً للبرميل بحلول نهاية يونيو/حزيران، بالتزامن مع تنامي الآمال بخفض التوترات، فإن عودة السوق إلى أوضاعها الطبيعية لا تزال تحتاج إلى وقت.
وكانت موازنة إندونيسيا لعام 2026 قد بُنيت على أساس سعر نفط يبلغ 70 دولاراً للبرميل، ما جعل ارتفاع الأسعار يشكل عبئاً إضافياً على الموارد المالية للدولة.
وقبل اندلاع الأزمة أصلاً، كانت الحكومة الإندونيسية تواجه ضغوطاً مالية ناجمة عن تنفيذ برنامج الوجبات الغذائية المجانية، الذي تُقدَّر تكلفته بنحو 19.5 مليار دولار.
واستناداً إلى تجربة أزمة عام 1998 وما ترتب عليها من آثار جراء ارتفاع أسعار الوقود، وضعت الحكومة استقرار أسعار حوامل الطاقة في مقدمة أولوياتها. وتنتج إندونيسيا نحو 60% فقط من احتياجاتها من النفط الخام محلياً، فيما يتم تأمين النسبة المتبقية عبر الاستيراد. وعلى هذا الأساس، قدرت الحكومة حاجتها إلى نحو 5.9 مليارات دولار من الموارد المالية الإضافية لتعويض الزيادة في كلفة دعم الطاقة.
كما خصصت موازنة عام 2026 نحو 22.5 مليار دولار لدعم الطاقة وتعويض خسائر شركتي الدولة «برتامينا» و«PLN»، مع حصر بيع الوقود المدعوم بـ50 لتراً يومياً.
وفي إطار تقليص الاعتماد على واردات الوقود الأحفوري، وضعت جاكرتا برنامج الديزل الحيوي B50 ضمن أولوياتها، بالتوازي مع جهودها لتوسيع التعاون في مجال الطاقة مع دول الخليج الفارسي والولايات المتحدة وربما روسيا.