الكوثر_ثقافة
يكفي تنعطف عن ضجيج شارع "جهار باغ" نحو أحد الأزقة القديمة المرصوفة بالحجارة، حيث تلامس وجهك نسمات باردة قادمة من نهر زايندة ورود وأشجار الحي المعمرة.
وبعد بضع خطوات، تقف أمام باب خشبي ثقيل، تحمل حلقتاه النحاسيتان البرونزيتان وعداً بعالم آخر ينتظرك خلفه. فما إن تطأ قدمك دهليز المدخل المظلم البارد، حتى يختفي فجأة رنين الهواتف وعوادم السيارات وضجيج الحياة العصرية.
هذا هو "قصر سرهنك"؛ حيث تفوح في الهواء رائحة الطين والقش المبلل، والخشب المحترق، وعطر غامض من ماء الورد والنعناع.

وعندما تعبر الممر المظلم وتدخل إلى الفناء المركزي، ترى ضوء شمس أصفهان يتسلل عبر أغصان أشجار الرمان والنارنج ليرقص على حوض الفيروز في وسط الفناء.
تلفت نظرك حول الفناء، فترى شبابيك "أرسي" ذات الزجاج الملون بالأحمر والأزرق والأصفر، تمتد على طول الأقواس الهلالية، وتزينها زخارف الجبس البارزة التي تعود إلى العصرين الصفوي والقاجاري، لتشكل لوحة تخطف الأنظار وتدعوك للتأمل. إن قصر سرهنك ليس مجرد أثر تاريخي جامد خلف واجهة متحف، بل هو تاريخ يتنفس، حيث تصرير الخشب تحت وطأة الخطوات، وكل لبنة فيه تروي حكاية سنين من العيش.
تكمن قيمة قصر سرهنك بالضبط في هذه الطبقات التاريخية المتعاقبة. فمعظم البيوت التاريخية في أصفهان تعود إلى عصر واحد (غارقة في العصر القاجاري)، لكن هذا القصر يشبه "كتاب تاريخ حي" يضم أربعة فصول متميزة:
العصر الصفوي (الأساس والنواة الأولى): قبل نحو 450 عاماً، حين كانت أصفهان عاصمة العالم الإسلامي وموئل الفن، وضعت أولى لبنات هذا القصر. فلا تزال الزخارف والنقوش، والطبقات الذهبية، والجدران السميكة في الأجزاء العميقة من المبنى (كالمجلس الملكي الرئيسي وقاعة "شكم دريده") تحمل ذكرى مباشرة من روعة العصر الصفوي.
العصران الأفشاري والزندي (عصر الثبات): في السنوات المضطربة التي تلت العصر الصفوي، ظل هذا القصر ملجأً، حيث ساهمت الترميمات والتعديلات الهيكلية في الحفاظ على قابلية المبنى للاستخدام.
العصر القاجاري (ذروة الرقة والترف): مع صعود القاجاريين وامتلاك شخصيات نافذة كـ"الحاج أحمد رسولي ها"، تسربت روح الجماليات القاجارية إلى القصر. فزخارف المرايا في القاعات، وزخارف الجبس النباتية المتقنة، وشبابيك "الأرسي" الكبيرة ذات الزجاج الملون المستورد تعود جميعها إلى هذا العصر.
العصر البهلوي وتسمية المبنى: في أواخر العصر القاجاري ومطلع البهلوي الأول، آلت العمارة إلى أحد كبار الضباط المدعو "سرهنك بختياري" (أي العقيد بختياري)، والذي كان مولعاً بالحفاظ على التراث، فعمل على صيانة المنزل، ومنذ ذلك الحين، عرفه أبناء الحي بهذا الاسم الفخم "قصر سرهنك".

سحر الزخارف.. متحف مواد وتقنيات العمارة الإيرانية
بالتجول في قاعات وغرف القصر المختلفة، تتبدى أسباب شهرته لدى المعماريين البارزين. فقد أمضى مرممو أصفهان أكثر من أربع سنوات بالعدسات المكبرة وشفرات الجراحة، يكشفون طبقات الدهان والجص ليستخرجوا الروائع المدفونة.
قاعة "شكم دريده" (المجلس الملكي): غرفة فائقة الجمال بأسقفها العالية، وزخارف جصها المحفورة، ورسوماتها المصغرة على الخشب، التي لا تزال ألوانها البراقة حية بعد أربعة قرون.
فن التذهيب والزركشة: على جدران بعض الغرف، يتألق مسحوق الذهب والألوان المعدنية في تشكيلات نباتية بارزة، تعكس تحت ضوء شمس العصر تلالؤاً فريداً.
البيت السفلي للحوض: بالنزول بضع درجات لبنية، تصل إلى فضاء الحوض الخفي البارد وشبه المظلم. كان الحوض الحجري في وسطه يوجه برودة النسيم إلى الغرف العلوية، وهو نموذج رائع من الهندسة المناخية التقليدية في أصفهان.
الوضع الراهن.. تحويل الاستخدام إلى فندق بوتيكي فاخر
اليوم، يعد قصر سرهنك "فندقاً متحفياً" نابضاً بالحياة. تم تجهيز نحو 20 غرفة وجناحاً فيه بحيث لم تضر الوسائل العصرية (من أنظمة التكييف المتطورة إلى كامل وسائل الراحة) بنسيج وهوية الغرف التاريخية.
تجربة الإقامة: النوم تحت أسقف مزينة بالمقرنصات، والاستيقاظ على ضوء أشعة الشمس المتلألئة عبر زجاج الشبابيك الملون على الوجه، واحتساء كأس شاي في الفناء بجانب الحوض الفيروزي، هي تجربة لا يمكن لأي فندق خمس نجوم حديث أن يعيد إنتاجها.
زخارف الأسقف: إذا نظرت إلى سقف هذه الغرف، ستجد مزيجاً من الرسومات اليدوية، وزخارف الجبس البارزة، وأحياناً الزخارف القاشانية. كانت هذه الزخارف في العصر القاجاري فائقة البذخ لإظهار قوة صاحب الدار.

زخارف المرايا: من أبرز سمات الغرف الرئيسية، استخدام المرايا الدقيقة التي تنشر الضوء في الغرفة وتجعل الفضاء يبدو أكثر إشراقاً واتساعاً.
غرف الجلوس (القاعات): تتميز هذه الفضاءات بشبابيك كبيرة (مشربية أو شبابيك تطل على الفناء) تتيح لدخول الضوء الطبيعي وصوت ماء الحوض إلى الداخل.
غرف النوم والأقسام الخاصة: في الهيكل الجديد للفندق، صممت الغرف لتمتزج فيها الأصالة التاريخية مع وسائل الراحة العصرية.
الغرف الرئيسية: عادة ما تتمتع بأعلى مستوى من الزخارف، بجدران تحمل رسوماً قديمة، وأسرّة كلاسيكية، وشبابيك تطل على الفناء أو حديقة خاصة.
الغرف الأصغر: تتميز بمساحة أكثر دفئاً وحميمية، وقد تستخدم عمارة أبسط (بتركيز على نسيج الجدران والأحجار القديمة) لنقل شعور "بالعزلة" والهدوء.
مزج العراقة بالحداثة: في هذه الغرف، تجد أثاثاً يحافظ على الطابع التاريخي (كخزانات أو طاولات قديمة) لكن مع تجهيزات حديثة كأنظمة التدفئة والتبريد وحمامات فاخرة مدمجة في صميم النسيج التاريخي.
الأروقة الداخلية
على أطراف القصر، كانت توجد فضاءات للخدم والمخازن، تحولت اليوم في إعادة الإعمار إلى مرافق جانبية كمطعم ومقهى وممرات ربط. تتميز هذه الأقسام عادة بأسقف أقل ارتفاعاً وزخارف أقل مقارنة بالقاعات.
تحليل الأسلوب الزخرفي في الغرف
إن أردنا تحليل غرف هذا القصر فنياً، فإننا أمام ثلاث طبقات فنية:
الطبقة الإنشائية: استخدام الطوب المشوي، والأحجار المنحوتة، والأعمدة الخشبية أو الحجرية التي تشكل الهيكل الأساسي للغرفة.
الطبقة الزخرفية:
· زخارف الجبس: تشكيل أنماط وردية وهندسية على الجدران والأسقف.
· الرسوم: مشاهد طبيعية أو نقوش نباتية كانت شائعة جداً في العصر القاجاري.
· زخارف المرايا: لخلق تأثير سحري ومشرق.
الطبقة الوظيفية العصرية (تجربة المستخدم):
توزيع الأثاث وإضاءة ناعمة لإبراز الروائع الفنية على الجدران، واستخدام مواد تتناغم مع النسيج القديم (كسجاد يدوي).
الموقع الاستراتيجي: يقع القصر في النسيج التاريخي لأصفهان، حيث يستطيع الضيوف ببضع دقائق سيراً على الأقدام الوصول إلى شارع "جهار باغ عباسي"، وقصر "چهلستون"، وميدان "نقش جهان".
عندما تكون في إحدى غرف قصر سرهنك، فأنت فعلاً في "كبسولة زمنية". إن كنت في القاعة الرئيسية، فأنت تعيش روعة الأرستقراطية؛ وإن كنت في غرف النوم، فأنت تعيش هدوء وخصوصية عائلة عريقة؛ وإن كنت في الفناء، فأنت تعيش قلب وروح عمارة أصفهان.
إن قصر سرهنك في أصفهان يحكي قصة بقاء الفن الإيراني حياً رغم عواصف التاريخ. ويشكل تحويل هذا القصر البالغ من العمر 450 عاماً إلى فندق بوتيكي نموذجاً ناجحاً في حفظ التراث الوطني، يتيح للسياح فرصة ألا يكونوا مجرد متفرجين على التاريخ، بل أن يكونوا لعدة أيام "سكاناً في تاريخ أصفهان".