الکوثر- ثقافة
ارتبط اسم محمود فرشجیان في تاريخ الفن الإيراني بالابتكار والروحانية والخيال الخلاق. ففي زمن كان كثيرون يعتبرون التصوير الإيراني (المنمنمات) فناً انتمى إلى الماضي، استطاع هذا الفنان أن ينفخ روحاً جديدة في جسد هذا الفن العريق، ويدخله إلى الساحة العالمية. يُعد فرشچیان من الفنانين القلائل الذين نجحوا في إقامة جسر دائم بين التقاليد والحداثة، والواقع والخيال، والتصوف والجماليات.
وُلد فرشجیان عام ۱۳۰۸ هـ.ش (١٩٢٩ م) في أصفهان، المدينة التي كانت لقرون مركزاً للفنون التقليدية في إيران. منذ طفولته، تعرّف على الرسم والتصوير، وتلقى تعليمه على يد أساتذة بارزين من مدرسة أصفهان. لكن ما ميّز فرشجیان عن كثير من معاصريه لم يكن مجرد المهارة التقنية، بل نظرته الجديدة إلى العالم. في أعماله، يمكن ملاحظة تأثير الفن الإيراني، والخط العربي، والعمارة الإسلامية، والأدب الصوفي، بل وحتى بعض إنجازات الفن الغربي.
ففي الوقت الذي ظلّ فيه وفياً للمبادئ الأساسية للتصوير الإيراني، غيّر فرشجیان العديد من القواعد الراسخة لهذا الفن. أصبحت الخطوط في أعماله أكثر انسيابية، وحلّت الحركة محل السكون، واكتسبت التراكيب ديناميكية أكبر، وأدّت الألوان دوراً أكثر عاطفية ودراماتيكية. ولهذا السبب، يشير العديد من الباحثين في الفن إلى "أسلوب فرشچیان" بصفته تياراً مستقلاً في التصوير المعاصر في إيران.
في أعماله، تمتزج الإنسان والطبيعة والعناصر الروحية. تبدو الشخصيات وكأنها لا تمشي على الأرض، بل تطفو في فضاء بين الحلم والواقع. هذه السمة جعلت أعماله، بالإضافة إلى الجمهور الإيراني، جذابة ومفهومة للمشاهدين غير الإيرانيين، لأنها تعبّر عن المشاعر الإنسانية بلغة عالمية.
---
فنان تجاوز الحدود
منذ سنوات، تجاوزت شهرة فرشجیان حدود إيران. عُرضت أعماله في متاحف ومجموعات خاصة ومعارض متعددة في مختلف الدول، ونُشرت العديد من الكتب الفاخرة عن أعماله من قبل دور نشر إيرانية ودولية مرموقة.
لم يقتصر تأثيره على مجال الرسم فقط. فقد استلهم العديد من الفنانين العالميين من أعماله. من بينهم، فيتوريو ستورارو، مدير التصوير الحائز على عدة جوائز أوسكار، الذي أعلن أنه استوحى من أعمال فرشجیان عند تصميم الرؤية البصرية لفيلم "محمد رسول الله". كما أن فنانين في اليابان وأوروبا وأمريكا ابتكروا أعمالاً نحتية، وشبه بارزة، ومتعددة الوسائط مقتبسة من لوحاته.
هذا المدى من التأثير يدل على أن فن فرشجیان ليس مجرد إعادة إنتاج للتقاليد الإيرانية، بل هو لغة عالمية للتعبير عن المفاهيم الروحية والإنسانية.
---
صورة تحولت إلى الذاكرة الجمعية للشيعة
رغم أن فرشجیان أنتج أعمالاً شهيرة عديدة مثل "اليوم الخامس من الخلق"، و"ضامن آهو" (كافل الغزال)، و"المناجاة"، و"تسبيح الرب"، و"كوثر"، إلا أن "عصر عاشورا" تُعتبر بلا شك أشهر أعماله وأكثرها تأثيراً؛ وهي اللوحة التي يراها كثيرون أشهر لوحة عاشورائية في تاريخ الفن الإيراني.
هذا العمل، الذي أُنجز في خمسينيات القرن الهجري الشمسي (حوالي ١٩٧٠ م)، يصور مشهداً من الساعات الأخيرة لواقعة كربلاء؛ لحظة عودة ذو الجناح، فرس الإمام الحسين (ع) الملطخ بالدماء والخالي من الفارس، إلى الخيام. يتجنب فرشجیان في هذه اللوحة التصوير المباشر للمعركة والعنف، ويركز بدلاً من ذلك على حزن الناجين، وهو نهج حول العمل إلى سردية عاطفية وروحية.
تكمن قوة "عصر عاشورا" في أنها لا تواجه المتلقي بحدث تاريخي، بل تضعه في قلب تجربة عاطفية. فالمشاهد، حتى لو لم يكن يعرف التفاصيل التاريخية لواقعة عاشوراء، يتواصل عبر اللغة البصرية للعمل مع مشاعر الحزن والفقدان والمظلومية.
---
العالمية والخصوصية في صورة واحدة
من أسباب استمرارية "عصر عاشورا" أنها قابلة للقراءة على مستويين مختلفين.
على المستوى الأول، يحمل العمل مفاهيم كونية مثل الحرية والشجاعة والمقاومة ضد الظلم والوفاء والكرامة الإنسانية. هذه القيم ليست محصورة في جغرافيا أو دين معين، ولهذا السبب يمكن للجمهور غير المسلم أيضاً أن يتواصل معها.
على المستوى الثاني، يتجذر العمل بعمق في الثقافة الشيعية. فالشخصيات الظاهرة في اللوحة، والرموز، والألوان، والإشارات التاريخية، كلها تنبع من السياق الثقافي والعقائدي للتشيع. هذا المزج الذكي بين القيم العالمية والهوية الدينية جعل العمل واحداً من أنجح نماذج الفن الديني المعاصر.
---
أسرار خفية في تفاصيل اللوحة
"عصر عاشوراء" هي من تلك الأعمال التي تطلب كل مرة نظرة جديدة. تقريباً لا يوجد أي تفصيل في هذه اللوحة عشوائي. تتركز السيدة زينب (عليها السلام) بقامة منحنية في مركز الاهتمام؛ وهي الشخصية التي تحملت، بعد استشهاد الإمام الحسين (ع)، عبء رواية وتبليغ رسالة نهضة عاشوراء.
يبرز فرشجیان بهذا الاختيار دورها التاريخي والمعنوي. أما ذو الجناح فهو الكائن الوحيد الذي تُرى عيناه بوضوح. نظرة الفرس الحزينة والدموعية تتحول إلى نقطة محورية في العمل، وتزي
د من الحمولة العاطفية للوحة.
وكأن الفرس نفسه يحمل رسالة الفاجعة التي يعجز اللسان عن التعبير عنها. تستحضر الألوان الداكنة والرمادية والبنية أجواء الحداد والحزن. في المقابل، يرمز بياض جسم الفرس إلى الطهارة والوفاء والحقيقة. أما الطيور الملطخة بالدماء في الصورة، فهي أيضاً من رموز الشهادة والصعود والخلود.
لقد لاحظ بعض الباحثين في الفن حتى ترتيب السهام، واتجاه حركة الخطوط، وعدد العناصر الموجودة في العمل، واعتبروها حاملة لإشارات رمزية إلى التاريخ والمعتقدات الشيعية. وهذا التعدد الطبقي للمعنى جعل "عصر عاشورا" ما تزال موضوع تحليلات فنية وبحوث أكاديمية.
---
إشادة عالمية بروائع إيرانية
لطالما حظيت أعمال فرشچیان باهتمام الباحثين والنقاد الدوليين. من بينهم، كتب ستيوارت كاري ولش، الباحث البارز في الفن الإسلامي والهندي، عن "عصر عاشورا" أن هذا العمل لديه ما يقوله أكثر مما يظهر، وأن الحزن الصامت لشخصياته ينتقل إلى المتلقي عبر اللغة البصرية للوحة.
كما أشاد شخصيات مثل بازيل روبنسون وشيغينوبو كيمورا بابتكارات فرشچیان في مزج التقاليد الإيرانية بتعبير معاصر.
كان محمود فرشجیان قد قال منذ سنوات في محاضرته في جامعة هارفارد: "فوق طاولة عملي، كنت قد كتبت: يجب أن أكون عبقرياً. بالطبع لم أكن، لكنني حاولت القيام بأعمال تخلد في تاريخ الفن."
واليوم، بعد عقود من إبداع أهم أعماله، يمكن القول إن فرشجیان حقق هدفه. لقد أنقذ التصوير الإيراني من خطر التحول إلى فن متحفي وساكن، وأثبت أن التقاليد تبقى حية عندما تقترن بالإبداع والابتكار. إن "عصر عاشورا" وعشرات الأعمال الأخرى له هي شهادة على أن الفنان يستطيع، بقلمه وألوانه فقط، أن يبني جسراً بين الأرض والسماء، والتاريخ والخيال، والإنسان والروحانية.