في خطوة تعكس ذروة الإفلاس السياسي والصلف الاستعماري، أقدمت الإدارة الأمريكية على إدراج تسع شخصيات لبنانية وطنية ضمن قوائم الإرهاب المزعومة، في محاولة بائسة لليّ ذراع المقاومة، وضرب أسس السيادة اللبنانية، وتفخيخ الساحة الداخلية بفتنة مجتمعية وعسكرية، تخدم حصراً الأجندة الصهيونية التي عجزت عن تحقيقها في الميادين.
تأتي هذه العقوبات، التي طالت نواباً من حزب الله وضباطاً في الجيش اللبناني وأجهزة الأمن، متزامنة مع زيارة مرتقبة لوفد عسكري رفيع إلى واشنطن، وهي ليست مجرد إجراء إداري، بل هي برقية تهديد وقحة للمؤسسة العسكرية، تسعى واشنطن من خلالها إلى فرض تطهير سياسي داخل صفوف الجيش، عبر استبعاد العناصر الوطنية التي تؤمن بعقيدة الجيش والشعب والمقاومة، واستبدالها بمن يدين بالولاء للقرار الأمريكي. إنها محاولة مكشوفة لخصي المؤسسة العسكرية وتحويلها إلى أداة لخدمة الصهاينة، بدلاً من كونها درعاً للوطن.
لقد أثبتت الأيام أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي رُوج له برعاية أمريكية لم يكن إلا فخاً لإعطاء العدو الصهيوني فرصة لالتقاط الأنفاس، بدليل الانتهاكات اليومية التي تجري تحت بصر وسمع الوسيط الأمريكي المنحاز. أما مسار المفاوضات المباشرة التي انخرطت فيها الحكومة بقيادة جوزيف عون، فهي لم تكن سوى جري وراء سراب السيادة المفقودة، وتفريطاً مجانياً بأوراق القوة اللبنانية. إن هذه الحوارات العقيمة مع الكيان الغاصب، والمحمولة على أكتاف الضغوط الأمريكية، لم ولن تحقق للبنان سوى مزيد من القضم الصهيوني للحقوق البرية والبحرية.
كما لم يغب عن ذهن المخطط الأمريكي استهداف حركة أمل، حيث جاءت العقوبات على كوادرها بمثابة طلقات تحذيرية موجهة مباشرة لعرين رئيس البرلمان نبيه بري. واشنطن تريد إرسال رسالة مفادها أن مطرقة العقوبات قد تطال رأس الهرم التشريعي قريباً إذا لم ينصع لإملاءات نزع سلاح المقاومة. والهدف الأبعد هنا هو شق الصف اللبناني، وخلق شرخ داخل الحاضنة الشعبية الأكبر للمقاومة أي البيئة الشيعية، سعياً لجر البلاد إلى مستنقع الحرب الأهلية.
تتوهم الولايات المتحدة أن سياسة التركيع عبر العقوبات ستجعل اللبنانيين ينقلبون على خيار المقاومة، لكن التاريخ والواقع يؤكدان أن هذه الضغوط المتزايدة ستولد انفجاراً عكسياً في وجه المحرض الأمريكي. إن استهداف الشرفاء في الجيش والبرلمان والحركات الوطنية لن يزيد اللبنانيين إلا التفافاً حول هويتهم المقاومة، وسيحول العقوبات إلى أوسمة شرف تؤكد أن هؤلاء الأشخاص هم العقبة الكؤود أمام مشاريع الهيمنة.
إن لجوء واشنطن لسياسة العقوبات العشوائية هو اعتراف صريح بهزيمة أدواتها الناعمة في الداخل اللبناني. لبنان، بجيشه الوطني المقاوم وشعبه الواعي، لن يتحول إلى ولاية تابعة للولايات المتحدة، ولن تمر مخططات الفتنة فوق جثث الوطنيين. إن القوة التي صمدت أمام آلة الحرب الصهيونية، لن ترهبها حبراً على ورق في مكاتب الخزانة الأمريكية، بل ستزداد تلاحماً في مواجهة الثنائي الصهيو-أمريكي حتى يدرك المعتدي أن لبنان لقمة مرة لا تبتلع.