شاركوا هذا الخبر

المقامرة الجيوسياسية لأبوظبي في ظل التحالف مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني

إذا كانت الإمارات قد قررت أن تكون في طليعة مشروع إعادة تشكيل المنطقة، فعليها أن تستعد لمواجهة العاصفة، إذ لم يعد هناك مجال للمناورة في منتصف الطريق.

المقامرة الجيوسياسية لأبوظبي في ظل التحالف مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني

الكوثر _مقالات

لطالما اعتمدت دولة الإمارات العربية المتحدة في سياستها الخارجية على سياسة التوازن واللعب بين القوى الإقليمية والدولية، لكنها دخلت اليوم مرحلة جديدة؛ مرحلة لم تعد فيها أبوظبي تكتفي بدور الوسيط، بل تسعى إلى إعادة صياغة المعادلات الجيوسياسية في المنطقة بالاستناد إلى تحالف علني مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، ضمن استراتيجية تمتد من الطاقة والتجارة إلى الأمن البحري والتنافس مع السعودية.

عُرفت السياسة الخارجية الإماراتية دائمًا بتحركها الحذر فوق حبال التوازنات الإقليمية والدولية، حيث كانت تسعى إلى لعب دور محوري في الخليج الفارسي ومنافسة «الأخ الأكبر» السعودي.

ويُعد عام 2026 نقطة تحول في هذا المسار، إذ تجاوزت أبوظبي موقع الوسيط لتظهر كلاعب يريد تغيير قواعد اللعبة.

وقد برز هذا التحول بشكل أوضح بعد الانسجام العلني مع المشروع المشترك الأمريكي ـ الإسرائيلي في المنطقة، ولا سيما في ظل قيام إدارة دونالد ترامب بإسقاط الخطوط الحمراء الجيوسياسية السابقة عبر إعلان الحرب على إيران.

وفي هذا السياق، لم تعد تحركات الإمارات مقتصرة على تنويع الاقتصاد، بل تحولت إلى استراتيجية جيوسياسية واسعة، تمتزج فيها الطموحات النفطية ببناء حزام أمني يمتد من السواحل الهندية إلى البحر المتوسط والقرن الإفريقي.

وهذا ما يصفه بعض المحللين بـ«عقيدة الأمن البحري» الإماراتية؛ وهي عقيدة لا تهدف فقط إلى حماية الحدود، بل إلى التحكم في مسارات التجارة والعولمة.

السعي للتحرر من أوبك

في صلب هذا التحول، برزت رغبة الإمارات في الابتعاد عن «أوبك» و«أوبك بلاس». ويعود هذا التوجه إلى التناقض البنيوي بين الرؤية الاستثمارية لأبوظبي وسياسات خفض الإنتاج التي تعتمدها أوبك بهدف الحفاظ على أسعار النفط.

وخلال السنوات الأخيرة، استثمرت أبوظبي مئات المليارات من الدولارات لزيادة قدرتها الإنتاجية النفطية، حتى تجاوزت طاقتها خمسة ملايين برميل يوميًا.

ومن وجهة نظر الإمارات، فإن الالتزام بحصص أوبك يعني تعطيل نحو 30% من قدراتها الإنتاجية، وإضاعة فرص ضخمة لتعزيز صناديق الثروة السيادية.

وبالتالي، فإن الخروج من إطار أوبك لا يُعد مجرد قرار اقتصادي، بل انتقالًا من منطق «الحصصة» إلى منطق «الحصة السوقية»، بما يتيح للإمارات توقيع عقود طويلة الأمد بشكل مستقل مع قوى صاعدة مثل الهند، دون الحاجة إلى التنسيق مع السعودية أو روسيا.

المحور الرباعي الجديد

تشير المعطيات إلى تشكل محور رباعي يضم الإمارات وإسرائيل والهند وإثيوبيا، لا يقتصر هدفه على التعاون التجاري فحسب، بل يُطرح كنسخة غربية بديلة لمبادرة «الحزام والطريق» الصينية ضمن مشروع «IMEC».

وفي هذه المعادلة، تؤدي إسرائيل دور المظلة الأمنية والتكنولوجية. ومن هذا المنطلق، لم تعد «اتفاقيات أبراهام» مجرد اتفاق دبلوماسي، بل تحولت إلى تعاون أمني وعسكري مباشر، تجلّى في نشر منظومات «القبة الحديدية» و«مقلاع داوود» لحماية البنية التحتية الحيوية في الإمارات.

وتهدف هذه الشبكة الأمنية إلى إنشاء منظومة إنذار مبكر تمتد من خليج العقبة إلى مضيق هرمز، واحتواء القدرات الصاروخية الإيرانية.

القرن الإفريقي… الحلقة المحورية للنفوذ

ويُنظر إلى الدعم الإماراتي الواسع لإثيوبيا باعتباره جزءًا من هذه الاستراتيجية، إذ تسعى أبوظبي من خلال الاستثمار في الزراعة والطاقة الإثيوبية إلى ترسيخ نفوذها في القرن الإفريقي، بل والحصول على أوراق ضغط في معادلات نهر النيل.

وفي الوقت نفسه، تعمل الإمارات عبر إنشاء قواعد عسكرية في أرض الصومال وتطوير ميناء بربرة على السيطرة على أحد أهم الممرات التجارية العالمية، وهو خليج عدن. كما أن نفوذها في جزيرة سقطرى والسواحل الجنوبية لليمن يمنحها إشرافًا مباشرًا على طرق الملاحة الدولية الحيوية.

وهذا الموقع الجيوسياسي يمنح الإمارات ما يشبه «حق النقض الجغرافي» في التجارة العالمية، وهو امتياز عزز من أهميتها لدى القوى الكبرى.

مصالح مشتركة لواشنطن وتل أبيب

تستفيد واشنطن وتل أبيب من هذا الواقع الجديد ضمن معادلة «رابح ـ رابح» تعيد توزيع أعباء السيطرة. فالولايات المتحدة، المنشغلة بأزمتي أوكرانيا وتايوان، ترى في الإمارات شريكًا موثوقًا لإدارة أمن المنطقة دون الحاجة إلى وجود أمريكي مباشر واسع.

وفي المقابل، يوفر نشر المنظومات الرادارية والأمنية الإسرائيلية على الأراضي الإماراتية عمقًا استراتيجيًا جديدًا لتل أبيب في الخليج الفارسي، وهو ما يعتبره مراقبون جزءًا من معادلة الردع تجاه إيران.

كما أن تفكك تحالف أوبك في حال انسحاب الإمارات قد يضعف التنسيق الروسي ـ السعودي ويحد من نفوذ موسكو في سوق الطاقة. كذلك فإن السيطرة على باب المندب وبربرة وسقطرى قد تجعل «طريق الحرير البحري» الصيني تحت رقابة المحور الإماراتي ـ الغربي.

أوروبا… المستفيد القلق

تجد العواصم الأوروبية نفسها أمام موقف معقد تجاه هذا التمرد الإماراتي. فمن جهة، تحتاج أوروبا بشدة إلى زيادة إنتاج النفط الإماراتي خارج قيود أوبك لتعويض الغاز الروسي.

ومن جهة أخرى، تخشى أوروبا من أن يؤدي هذا الاستقطاب الحاد والتحالف العسكري المباشر مع كيان الاحتلال إلى انفجار إقليمي واسع، قد يفضي إلى موجات هجرة غير مسبوقة وتهديد مباشر للملاحة في البحر المتوسط.

فأوروبا تريد الإمارات كمنتج للطاقة، لكنها تخشى تحولها إلى قوة عسكرية قد تدفع المنطقة إلى مواجهة كبرى.

التنافس الخفي مع السعودية

ولا يمكن فهم هذه التحولات دون النظر إلى المنافسة الحادة بين أبوظبي والرياض، حيث بلغ التباين بين نموذجي البلدين ذروته.

فالسعودية تراهن على المشاريع الاقتصادية العملاقة مثل «نيوم» وعلى ثقلها السياسي والديني، بينما تتبنى الإمارات نموذجًا مختلفًا قائمًا على القوة الناعمة والتجارة العالمية والسيطرة على الموانئ والممرات البحرية.

كما أن الخلاف بين البلدين في الملف اليمني يعكس هذا التناقض الاستراتيجي، إذ تسعى الإمارات إلى يمن مجزأ يخضع لنفوذ موانئ الجنوب، في حين ترى السعودية أن استقرار اليمن ضرورة لأمن حدودها.

مقامرة أبوظبي الكبرى

إن رهان الإمارات على التحالف مع إسرائيل والهند، والخروج من أوبك، وبناء إمبراطورية من القواعد البحرية، يمثل مقامرة كبرى في تشكيل النظام العالمي الجديد. وتأمل أبوظبي أن تنجح في هذا المسار لتتحول إلى مركز للتجارة الدولية و«سنغافورة الشرق الأوسط» ذات التكنولوجيا المتقدمة.

غير أن الفشل، أو الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران أو حلفاء الصين، قد يحول هذه الموانئ والقواعد إلى أهداف في حرب عالمية ثالثة قد تشتعل شرارتها في المضائق البحرية، الأمر الذي قد يضع هذا المشروع الطموح أمام تحديات خطيرة.

وإذا كانت الإمارات قد قررت أن تكون في طليعة مشروع إعادة تشكيل المنطقة، فعليها أن تستعد لمواجهة العاصفة، إذ لم يعد هناك مجال للمناورة في منتصف الطريق.

أهم الأخبار

الأكثر مشاهدة