كان الحاج قاسم يرى أن العلم ليس ترفاً، بل ضرورة وجودية في هوية المقاتل، إذ كان يقول لمن حوله: "من لا يفهم هدفه لا يستطيع أن يصيبه ولو كان سلاحه في يده". لذلك أقام نظامًا تكامليًا في مدارس المجاهدين، يدمج بين التثقيف العقائدي، والفهم السياسي، والتأمل القرآني. فكان يستدعي علماء ومفكرين لإعطاء دروس قصيرة في معسكراته، بل ويشارك بنفسه في النقاشات، مشجعاً الشباب على السؤال والبحث لا على التلقي السلبي فقط.
و من الشواهد العملية على ذلك هو جلوسه في إحدى المعارك الصعبة في سوريا، مع مجموعة من المجاهدين لشرح مفهوم "النية في الجهاد" ضمن درسٍ عبر عنه لاحقًا أحد الحاضرين بقوله: "كنا نظن أننا خرجنا من معركة عسكرية، فإذا بنا ندخل معركة الفكر والنفس". هذا المزج بين الميدان والمعرفة جعل التعليم عنده جزءًا من عملية الجهاد، لا نشاطًا موازياً له.
كما أسس الحاج قاسم خلايا معرفية صغيرة داخل الوحدات الميدانية تعرف بين المجاهدين باسم "الحلقات الفكرية"، كانت تناقش كتبًا دينية واستراتيجية، منها تفاسير المیزان ونهج البلاغة، وكتب في الفكر المقاوم والسياسة الدفاعية. واللافت أنه لم يفرض اتجاهًا فكريًا واحدًا، بل شجع على القراءة المقارنة والنقد الهادف. وكان يقول للمشرفين: "لا تربوا المقاتل على الطاعة العمياء، بل ربوه على الفهم العميق".
بهذا جعل الحاج قاسم من العلم عنصرًا تربويًا أساسياً لتزكية النفس وتنقية النية. وقد ظهر أثر هذا التوجه في سلوك المجاهدين الذين كانوا يجمعون بين الوعي الإنساني والرؤية الشرعية فكانوا يتعاملون برحمةٍ مع المدنيين حتى وسط الحرب، لأنهم تعلموا أن الفهم الصحيح للأخلاق الإسلامية جزء من تكوينهم الجهادي.
ومن أمثلة اهتمامه بالوعي العلمي أيضًا، تشجيعه المجاهدين على إكمال دراستهم الأكاديمية أثناء الخدمة. فقد قام بترتيب برامج دراسية مرنة بالتنسيق مع الجامعات الإيرانية، ودعم مشروع التعليم بالمراسلة للمناطق النائية. كما مول بنفسه طباعة كتب ثقافية للشباب في العراق وسوريا، مؤمنًا بأن مقاومة الجهل هي المرحلة الأولى من مقاومة الاستكبار.
لقد كان العلم عند الحاج قاسم جسرًا يعبر عليه المجاهد من السلاح إلى البصيرة، ومن التدريب إلى الفهم. لم يكن يؤمن بالفصل بين "المعرفة" و"المعركة"، بل كان يؤكد أن المعركة التي تدار بعقلٍ مضيء لا تحتاج إلى دمٍ كثير. فالعلم في مشروعه ليس أداةً مساعدة للقيادة، بل هو شرطٌ روحي وأخلاقي لامتلاك الرؤية الصحيحة في القيادة والجهاد.
كذلك عرف عنه حرصه على جمع الكتب أثناء رحلاته العسكرية إذ كان يحمل في حقيبته نسخًا من نهج البلاغة وبعض كتب الفلسفة الإسلامية، وقد وصفه أحد المقربين بأنه "يجمع في حقيبته سلاحًا وكتابًا، ولكلٍ منهما معركته."
لقد استطاع الحاج قاسم بالفعل أن يصوغ منهجًا يجعل كل حركة مقاومة وحدة بحثٍ تربوي تدار بالعقل الجماعي والضمير الأخلاقي، بحيث تكون المعرفة هي الطاقة الداخلية التي تعطي الوجود الميداني معناه الحقيقي والقيمي .
وخلاصة القول إن "جهاد التعلم" في فكر الحاج قاسم سليماني هو مشروع لبناء الإنسان الكامل المقاوم إنسانٍ قويٍ في سلاحه، منيرٍ في فكره، نقيٍ في ضميره. هكذا جمع الحاج قاسم بين الجهاد الأكبر والأصغر، بين نور المعرفة ولهيب المعركة، لتبقى سيرته شاهدًا على أن العلم إذا رافقه الإيمان ينبت ثمراً حرًا، والمجاهد إذا تعلم أصبح أمةً بحد ذاته.