الكوثر - ايران
في ذكرى عيد مبعث النبي محمد صل الله عليه وآله وسلم، التقى آلاف من الناس من مختلف شرائح المجتمع بقائد الثورة الإسلامية، سماحة آية الله السيد علي الخامنئي.
وأشار سماحته خلال كلمة له في هذا اللقاء إلى قدرة الإسلام العظيمة على إحداث تحوّلٍ جذريٍّ في مجتمعنا المعاصر، كما حدث في بدايات الإسلام، وتحويل المجتمعات التي تعاني من الجهل والظلم والقوة والخوف والغطرسة إلى مجتمعاتٍ تنعم بالعدل والنجاة والكرامة. وشرح أبعاد الفتنة الأخيرة، وموقف الجمهورية الإسلامية من المخططين والمحرضين الأمريكيين عليها. كما أشاد بحركة الأمة في هذا اليوم التاريخي في الاثنين الماضي، مؤكدًا أن الشعب الإيراني قد قصم ظهر الفتنة، لكن لا بد من فهم طبيعة هذه الفتنة وأهدافها، وعناصرها المدبرة ومخدوعة.
اقرأ ايضاً
كما هنأ آية الله الخامنئي "الشعب الإيراني، والأمة الإسلامية، وجميع المناضلين من أجل الحرية في العالم" بمناسبة أهم عيد في تاريخ البشرية، واصفًا رسالة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بأنها اليوم الذي نزل فيه القرآن، ويوم أدركت فيه البشرية الخطة الإلهية لتربية الإنسان الكامل، وبداية الحضارة الإسلامية، واليوم الذي رُفعت فيه راية العدل والأخوة والمساواة. وأضاف: "بالطبع، إن فهم فضائل هذه الرسالة يتجاوز قدرة أمثالنا، ولا بد من التعبير عنها من خلال كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام)، وفهمها بدراسة نهج البلاغة".
وفي معرض شرحه لقدرة الإسلام على تهذيب النفوس وتهذيب الحضارات، أشار إلى سمات الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام، بما في ذلك الانحلال الأخلاقي والفساد، والجهل المتفشي، والقسوة، والظلم، والاستبداد، والغطرسة، والتعصب، والجور، والتمييز العميق، وقال: استنادًا إلى الوحي الإلهي وتدبير إلهي قائم على العقل والإيمان، ارتقى النبي صلى الله عليه وسلم من بين أناس متخلفين ومنحطين، وقام بتربية أشخاص كبيرة أمثال أبي ذر وعمار والمقداد، وهذه القدرة الفريدة للإسلام لا تزال قادرة على إحداث تغيير جذري حتى اليوم.
ورأى قائد الثورة أن العديد من المجتمعات البشرية المعاصرة، ولا سيما المجتمعات الغربية، تعاني من نفس الانحلال الأخلاقي العميق، والظلم، والغطرسة، والاستبداد، على الرغم من اختلاف مظهرها وأدبها عن عصر الجاهلية، وقال: إن الإسلام والمسلمين المؤمنين قادرون على انتشال العالم من هاوية الفساد والخراب إلى قمم البر والنجاة والشرف، ومن النار إلى الجنة، شريطة أن يعملوا بإيمان راسخ وعام.
واستشهد بالآية الكريمة «وَ لا تَهِنوا وَ لا تَحزَنوا وَ اَنتُمُ الاَعلَونَ اِن کُنتُم مُؤمِنین»، أضاف آية الله الخامنئي: إن الشرط الأساسي لقدرة المسلمين على إنقاذ البشرية هو "إيمان أبي ذر". بالطبع، كان لدينا في الجمهورية الإسلامية شخصيات مثل أبي ذر بين الشهداء المشهورين، بل وحتى الشهداء المجهولين، ولكن الأهم هو أن هذا الإيمان متأصل في المجتمع.
وفي الجزء الثاني من خطابه، أشار قائد الثورة الإسلامية إلى الفتنة الأخيرة التي تسببت في بعض المعاناة والأذى للشعب والبلاد، وقال: لقد أُخمدت هذه الفتنة بفضل الله وجهود "الأمة والمسؤولين وقوات الأمن الأكفاء"، ولكن يجب أن نعرف طبيعة الفتنة وأسبابها، ومن هم عناصرها، وكيف سيكون رد فعلنا في مواجهة العدو؟
وصف طبيعة الفتنة الأخيرة بأنها أمريكية، وفي معرض شرحه للهدف الرئيسي للأمريكيين في مختلف المؤامرات، قال: إن هدف أمريكا وسياستها المستمرة - وليس رئيسها الحالي فحسب - هو ضم إيران واستعادة هيمنتها العسكرية والسياسية والاقتصادية على بلادنا؛ لأن دولة بهذا الحجم والسكان والمنشآت والتقدم العلمي والتكنولوجي، وفي مثل هذا الموقع الجغرافي الحساس، أمر لا يُطاق بالنسبة لهم.
ووصف قائد الثورة مستوى تدخل المسؤولين الغربيين في الفتن السابقة بأنه اقتصر في الغالب على عناصر صحفية وسياسيين من الدرجة الثانية، مضيفًا: "لكن السمة المميزة للفتنة الأخيرة هي أن الرئيس الأمريكي تدخل فيها شخصيًا، وتحدث، وهدد، وشجع المحرضين، موجهًا إليهم رسالة مفادها المضي قدمًا، وعدم الخوف، وأننا سندعمهم عسكريًا".
وصف آية الله الخامنئي تصريحات الرئيس الأمريكي، التي وصف فيها المخربين والقتلة بأنهم الشعب الإيراني، بأنها افتراء كبير على الأمة، وقال: لقد شجع الرئيس الأمريكي المحرضين على الفتنة علنًا، وقدمت لهم الولايات المتحدة والكيان الصهيوني الدعم سرًا؛ لذلك، نعتبر الرئيس الأمريكي مجرما، سواءً بسبب الخسائر البشرية والمادية أو بسبب الافتراء الذي وجهه ضد الشعب الإيراني.
وفي معرض شرحه لطبيعة عملاء الفتنة الميدانيين، قال: كان هناك مجموعتان من العملاء نشطتان على أرض الواقع؛ مجموعة اختارتها أجهزة المخابرات الأمريكية والإسرائيلية بعناية، وقامت، بالإضافة إلى تمويل كبير، بتدريبهم على أمور مثل كيفية التحرك وإشعال الحرائق وبث الرعب والهروب من الشرطة. وقد تم القبض على عدد كبير من هذه العناصر الشريرة والمجرمة بفضل العمل الجيد لقوات إنفاذ القانون والأمن.
اعتبر قائد الثورة المجموعة الثانية من عملاء الفتنة الميدانيين من المراهقين والشباب المتأثرين بالمجموعة الأولى، مضيفًا: لم تكن لهذه المجموعة أي صلة بالكيان الصهيوني أو أجهزة المخابرات، بل كانوا أناسًا ساذجين تأثروا بالقادة، وبإثارة الفتنة، ارتكبوا أفعالًا وتجاوزوا حدود الأدب.
وأضاف آية الله الخامنئي: هؤلاء كانوا جنود المشاة، ومهمتهم مهاجمة الأماكن والمنازل والمكاتب والمراكز الصناعية، وللأسف، ارتكبت "عناصر جاهلة وغير مطلعة" بقيادة "عناصر شريرة مدربة" العديد من الأعمال السيئة والجرائم، مثل تدمير 250 مسجدًا، وتدمير أكثر من 250 مركزًا تعليميًا وعلميًا، وإلحاق أضرار بمراكز صناعة الكهرباء والبنوك والمجمعات الطبية ومتاجر المواد الغذائية العامة. وبإلحاقهم الأذى بالناس، قتلوا آلافًا منهم.
وأشار إلى أعمالٍ بالغة اللاإنسانية والوحشية، كاحتجاز وحرق عددٍ من الشباب أحياءً في مسجد، أو قتل طفلةٍ في الثالثة من عمرها ورجلٍ وامرأةٍ أبرياء عُزّل، قائلاً: إن هذه الأعمال كانت جزءاً من خطةٍ مُعدّةٍ مسبقاً للفتنة، وقد زُوّد منفذوها بأسلحةٍ بيضاء وناريةٍ استُوردت من الخارج ووُزّعت على عناصر الفتنة لارتكاب هذه الجرائم.
أكد قائد الثورة الإسلامية أن الشعب الإيراني قد قصم ظهر الفتنة، قائلاً: "لقد حوّل الشعب الإيراني، بملايينه، يوم الاثنين الماضي، هذا اليوم إلى يوم تاريخي حافل بالإنجازات، وأخمد الفتنة بضربة قاضية في أفواه المدّعين".
ووصف المبالغة في تصوير قلة عدد المحرّضين في الصحافة ووكالات الأنباء الدولية التابعة للصهيونية، في مقابل إنكار أو التقليل من شأن العدد الكبير من الشعب الإيراني في مسيرات يوم الاثنين، بأنها نتيجة عاداتهم المعتادة، قائلاً: "الواقع لا يتغير بهذه الأفعال. الواقع هو ما رآه الشعب بأم أعينه في طهران وغيرها من المدن".
اعتبر آية الله الخامنئي هزيمة أمريكا على يد الشعب الإيراني في الفتنة الأخيرة امتدادًا لهزيمة أمريكا والصهيونية في حرب الأيام الاثني عشر، وقال: "لقد شنّوا هذه الفتنة بتمهيدات كثيرة لأمور أعظم، وقد أخمدها الشعب الإيراني، لكن هذا لا يكفي، ويجب محاسبة أمريكا على أفعالها".
وحمّل الجهات المسؤولة، بما فيها وزارة الخارجية، مسؤولية متابعة جرائم الولايات المتحدة الأخيرة، وقال: "نحن لا نقود البلاد إلى الحرب، لكننا لن نتخلى عن المجرمين المحليين، بل والأسوأ من ذلك، المجرمين الدوليين؛ يجب أن نتابع هذا العمل بأساليبنا الخاصة وبالطريقة الصحيحة".
وأكد قائد الثورة الإسلامية: "بعون الله، يجب على الشعب الإيراني أن يقصم ظهر مثيروا الفتنة كما قصموا ظهر الفتنة".
في الجزء الأخير من خطابه، أشار سماحته إلى التضحيات والتفاني اليومي الذي يبذله المسؤولون وقوات إنفاذ القانون والأمن والحرس الثوري وقوات البسيج في المعركة الظافرة ضد الفتنة الأمريكية الصهيونية، وأضاف: لقد تعاون جميع مسؤولي البلاد، وكان للشعب الكلمة الفصل، وبوحدتها، أنجزت المهمة بحزم.
مكررًا نصيحته الدائمة بالحفاظ على وحدة الشعب، قال آية الله الخامنئي: يجب ألا تصبح الخلافات الفئوية والسياسية والعائلية شائعة بين الناس، وعلينا جميعًا أن نقف صفًا واحدًا، جنبًا إلى جنب، في الدفاع عن النظام الإسلامي وإيران الحبيبة.
وفي إشارة إلى جهود المسؤولين من مختلف القطاعات وأنشطة رئيس الجمهورية ورؤساء الدول الآخرين في وسط الميدان، أضاف: "لا ينبغي أن يقتصر الأمر على انتقاد البعض دون علمهم بالأحداث؛ فأنا أتجنب بشدة إهانة رؤساء الدولة والرئيس وغيرهم في مثل هذه الظروف الدولية والمحلية الهامة، وأمنع وأحظر على أي شخص، سواء داخل البرلمان أو خارجه، القيام بذلك".
وأكد قائد الثورة تقديره للمسؤولين المتواجدين في الميدان إلى جانب الشعب في مثل هذا الحدث الذي يمر به الوطن، قائلاً: "في الماضي، كان هناك أحيانًا مسؤولون ينسحبون من الميدان ومن جانب الشعب، أو حتى يتحدثون ضدهم، لكن هذه المرة، تحرك المسؤولون جنبًا إلى جنب مع الشعب وعملوا لتحقيق الهدف نفسه، وهذه الروح جديرة بالتقدير".
وأوصى آية الله الخامنئي الرئيس الايراني ورؤساء الدولة الآخرين بشدة بمواصلة عملهم وجهودهم والقيام بالخدمة الجليلة الموكلة إليهم، مضيفًا: "بالطبع، الوضع الاقتصادي ليس جيدًا، ومعيشة الناس صعبة للغاية؛ يجب على المسؤولين الحكوميين بذل جهد أكبر وبذل ضعف الجهد في بعض القطاعات، مثل توفير السلع الأساسية ومستلزمات الثروة الحيوانية، وتزويد الناس بالغذاء والسلع التي يحتاجونها. إذا قام الناس والمسؤولون بواجباتهم على أكمل وجه، فإن الله سيبارك العمل حتماً.