خاص الكوثر - الوجه الاخر
قال غازي حنية : لو عدنا إلى ما يقارب نصف قرن، حين لم تكن هناك فضائيات، لوجدنا أن نافذتنا الإعلامية كانت محدودة، في تلك المرحلة، عُرضت أعمال ذات طابع إيماني وتربوي رفيع، مثل مسلسل محمد رسول الله، الذي ما زال كثيرون يذكرون أثره العميق في النفوس، حتى إن مقدمته الغنائية كانت تبعث الشوق والمحبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولأنبياء الله جميعًا. كما كان للشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله حضور يومي في رمضان، يطلّ على الناس بحديثه التفسيري الهادئ، فكان لذلك أثر كبير في ترسيخ الارتباط الروحي بالشهر الفضيل.
اقرأ ايضاً
واكمل : لكن بعد سنوات قليلة، بدأ المشهد يتغير تدريجيًا؛ فدخلت الفوازير، ثم اتسع المجال للغناء والرقص والطرب، حتى أصبحت بعض ليالي رمضان ساحةً لحفلات فنية وبرامج لا تنسجم مع روح الشهر، ومع مرور الوقت، ظهرت مسلسلات تتضمن مضامين مثيرة للجدل، بل وتغذي أحيانًا النزاعات المذهبية والعرقية والطائفية، بدل أن تعزز القيم المشتركة والوحدة بين الناس.
واضاف حنينة : إنّ المشكلة لا تكمن في الترفيه بحد ذاته، فوجود ساعات من الترفيه البريء والهادف أمر طبيعي، بل قد يكون مطلوبًا، إذا أسهم في تهذيب الذوق، وترقيق المشاعر، والارتقاء باللغة والمعاني. لكن الإشكال حين يتحول الإعلام إلى وسيلة لإشغال الناس عن الغاية الأساسية من رمضان، وهو شهر القرآن والهداية، أو حين يُقدَّم محتوى يُضعف الهوية والقيم ويزرع الفرقة بدل التقارب.
وتابع : نحن لا ندعو إلى حجب المعرفة أو منع مناقشة التاريخ، فالعلم اليوم متاح عبر الإنترنت لكل من أراد البحث والاطلاع. إنما السؤال: كيف نعرض هذه القضايا؟ وبأي أسلوب نناقشها؟ هل نقدّمها بطريقة هادئة رصينة تعزز الفهم والتقارب بين أطياف المجتمع، أم بأسلوب حاد يثير الفتن ويؤجج الخلافات؟
وختم غازي حنيه حديثه بالقول: إن التحدي الحقيقي ليس في وجود الإعلام، بل في توجيهه ليكون في خدمة الإنسان وقيمه، لا أداة لتفكيك وعيه وإبعاده عن رسالته الروحية، خصوصًا في شهرٍ أراده الله شهر هداية ووحدة وصفاء.