خاص الكوثر- قضية
قال فيصل عبد الساتر: في الواقع، نظرية «الرجل المجنون» ليست تمامًا كما يتم التسويق لها، فالنظرية تقوم على إظهار الجنون لا على كون الرجل مجنونًا فعليًا، وهناك فرق واضح بين إظهار سلوكيات توحي بالجنون وبين أن يكون الشخص مجنونًا بالفعل، الواضح أن ترامب يحاول إعادة تدوير ما عُرف في الاستراتيجية الأميركية في سبعينيات القرن الماضي، أي نظرية «إظهار الرجل المجنون»، كما فعل نيكسون في تعاطيه مع الاتحاد السوفييتي السابق، إلا أن ترامب تجاوز هذا الإطار بشكل كبير، كما أن نرجسيته مرتبطة بعوامل عديدة على المستوى الداخلي الأميركي؛ فهو يعكس مزيجًا من شخصية المدمن والسوبرمان، وربما لا يعلم البعض أن هناك مصطلحًا متداولًا في الولايات المتحدة يُطلق على من يخرج عن كل القوانين ويضع لنفسه قوانينه الخاصة، بدعوى تحقيق المنفعة لدائرته المجتمعية، وترامب يحاول أن تكون هذه الدائرة هي الولايات المتحدة الأميركية نفسها، فمن خلال فائض القوة، يسعى إلى السيطرة على ثروات العالم، وشطب الديون العامة الأميركية، وفرض الأحادية التي تبطش بالعالم، تمهيدًا للتفرغ لمواجهة الصين.
اقرأ ايضاً
اضاف المحلل السياسي: لكن الأمور لا تجري وفق المقادير التي يريدها دائمًا، فهناك موازين قوى تحكم المشهد، وإذا ما ترجمنا هذه الموازين على المستوى الفعلي، وخصوصًا في ما يتعلق بمواجهة إيران، يبدو أن الولايات المتحدة تعيش مأزقًا حقيقيًا، فهذا المأزق لا يقتصر على كون أميركا دولة معتدية، بل يشمل أيضًا كلفة التحشيد والتهويل بالحرب وتهديد ضرب إيران، وهي كلفة باهظة جدًا، لذلك، فإن أي تراجع أميركي لا بد أن يكون مقرونًا بثمرة سياسية، وهذه الثمرة التي يسعى إليها ترامب هي جرّ إيران إلى طاولة مفاوضات مشروطة، وفق الشروط التي يريدها. وبهذا يحقق أمرين معًا: أولًا، تحميل كلفة التحشيد للدول التي ستتكفل بالتغطية المالية، وثانيًا، تحقيق أهدافه عبر محاولة إرغام إيران على القبول بشروط معينة.
واكمل : في المقابل، صحيح أن إيران تعيش مأزقًا، لكنها في الوقت نفسه دولة معتدى عليها، ومأزقها يكمن في أنها لا تستطيع المبادرة عسكريًا درءًا لهجوم واسع، لكنها تستفيد من حقيقة أساسية، وهي أنها لن تذهب إلى مفاوضات أو شروط تُمنى فيها بالخسارة مرتين: مرة عبر التفريط بكل هذه الجاهزية المرتفعة في مواجهة أي عدوان، ومرة أخرى على المستوى السياسي، بحيث تصبح إيران «غير إيران». وهذا أمر لن تقبل به