عطايا الميلاد الميمون من وجهة نظر الإمام القائد الخامنئي دام ظله

الأربعاء 13 نوفمبر 2019 - 13:34 بتوقيت مكة
عطايا الميلاد الميمون من وجهة نظر الإمام القائد الخامنئي دام ظله

نهج القائد_الكوثر: إن يوم ولادة نبي الإسلام العظيم هو يوم التدبر في البركات اللامتناهية لهذا المولود المكرم. ويمكن أن يُدعى أن أعظم بركات هذه الولادة العظيمة عبارة عن تقديم التوحيد والعدالة كهدية للمجتمعات البشرية.

إن البشر في مجال الاعتقاد يتخبطون في شباك الشرك حتى في عصرنا الراهن الذي هو عصر التقدم العلمي والرقي الفكري البشري الهائل، ومن المعلوم حتى على مستوى الدول المتطورة مادياً أن عقيدة التوحيد مع كل ما يتبعها من بركات محتاجة إلى نورانية لا يمكن التوفر عليها إلا من طريق عقل يهتدي بالوحي الإلهي. ولقد أهدى النبي الأكرم هذا الأمر للبشرية كما فعل من سبقه من الأنبياء. إن الإيمان بالتوحيد له بركات وآثار على صعيد روح الإنسان وقلبه وحتى حياته بحيث يجب أن يتفكر فيها ويتحرك نحو الحصول عليها.

وإحدى الهبات الإلهية العظيمة التي جاء بها هذا المولود المكرّم هي العدالة. الإنسان الذي كان يعاني من انعدام العدالة من أول يوم سجله التاريخ لا يزال اليوم يعاني من نفس المشكلة ألا وهي فقدان العدالة، هذه هي المعضلة الكبرى لدى البشرية، إن الدين الذي عرضه هذا المولود المكرّم على البشرية يدعو الناس إلى النقاط البارزة والحساسة في حياتهم من قبيل التوحيد والعدل، إحدى خصوصيات هذا اليوم هو كونه مرتبطاً بالبشرية جمعاء،  وكل من أراد يستطيع الاغتراف منه، والخصوصية الأخرى أنه لا يختص بزمان معين بل يتعلق بكل الأزمنة، واليوم يحتاج البشر إلى العودة إلى التوحيد الخالص وقانون العدالة الإسلامية، إن الوصفة التي قدمها الإسلام للبشرية لضمان العدالة في قانون ﴿اِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْفكان يدعو إلى التقوى والورع ونبذ بذور التمييز بين البشر على أساس القومية والعرق والدم واللون وما شابه ذلك.

ولا تزال الدول المتقدمة في العالم والمتطورة من الناحية المادية تكابد من مسألة الأبيض والأسود. للأسود ضوابط معينة وللأبيض مميزات خاصة ولا زالت الحرب قائمة عندهم على أساس العرق والدم والقومية. كم من البشر زهقت أرواحهم في نيران حرب أشعلوها على خلافات قومية ووطنية مفتعلة. يُقتلون وتذهب حقوقهم أدراج الرياح. اليوم البشرية في أمس الحاجة إلى نداء الوحدة والتوحيد والعدل، ولا ينادي بهما غير الإسلام والمسلمين.

من هم الذين يعارضون قضية الوحدة هذه الأيام؟ إنهم المستكبرون الذين يستغلون الفرقة والشرك والظلم لصالحهم، ويبنون وجودهم وفلسفة حياتهم على سياسة التمييز والتبعيض العنصري. إن الذي يخنق الديمقراطية على الصعيد العالمي في هذه الأيام قوى الاستكبار المادي في العالم والذين يحملون في دولهم شعار الدفاع عن الديمقراطية والمساواة بين أفراد المجتمع في الحقوق ومكافحة الاستبداد الحكومي. إن مبنى عملهم هو ترجيح شعب على آخر، وتفضيل منطقة على أخرى ودم على غيره، لقد رسخوا سطوة الاستبداد في الدنيا وهم يديرون العالم كيف ما يشاءون، هذا هو وضع البشرية في عصرنا الراهن. البشرية بحاجة ماسة اليوم إلى إطلاق صرخة كالتي أطلقها نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم صرخة تدعو للتوحيد والعدالة بين البشر.

نحن في إيران جعلنا هذا الأسبوع أسبوعاً للوحدة، وإمامنا العظيم بما أنه كان يدعو دائماً إلى الوحدة بين المسلمين فقد لفت أنظار المسلمين بل كل دعاة الحق في العالم إلى صوت نداء الوحدة. أسبوع الوحدة، اسم مناسب جداً لهذه الأيام.
 

وللوحدة عدة جوانب يمكن طرحها: أولاً: الوحدة بين أفراد الشعب الإيراني، الوحدة بين مختلف طبقات الشعب من أي لون كانوا أو أي عملٍ يزاولون. والوحدة بين آحاد هذا الشعب الثوري العظيم وبين فئات المجتمع، والحمد للَّه فإن الوحدة من هذا الجانب متحققة. فئات الشعب متحدة مع بعضها وتسير باتجاه واحد وهو اتجاه الإسلام وتحكيم الدين على الرغم من المؤامرات وبذور الفتنة التي ينثرونها هنا وهناك. لا يوجد في إيران الإسلامية أي فرق بين الشيعة والسنة ولا بين القوميات المختلفة من فرس وعرب وترك وتركمان وبلوش وكرد وغيرهم. فإن شعبنا كالجسد الواحد.

لقد أصبح الشعب الإيراني حقاً شعباً مثالياً ببركة الإسلام.
إنه قدوة ناجحة في مقدمة سائر الشعوب الإسلامية. وإن اللَّه سبحانه راضٍ عنكم أيها الشعب الإيراني نتيجة تلبيتكم بصدق لنداء دينكم وإمامكم العظيم. يجب أن تحفظوا هذه الوحدة، هذه الوحدة المهمة التي تمكنتم ببركتها أن تحققوا كل هذه الانتصارات، اعلموا أن الأعداء يتربصون بكم الدوائر للنيل من وحدتكم، فكونوا إذن على حذر. لا تسمحوا ببروز الخلافات بينكم. حاذروا من الأمور الموجبة للخلاف والتي يستطيع الأعداء أن يجعلوا منها مستنداً لزرع الفرقة. على سبيل المثال يجب أن يحذر الشيعة وإخوانهم السنة من الخلافات المذهبية التي أساء الأعداء استغلالها لقرون متمادية، وكذلك بالنسبة للقوميات المختلفة يجب أن يعوا جيداً أن الأعداء قد قعدوا لهم بالمرصاد لعلهم يتمكنون من زرع بذور الفرقة بين القوميات الإيرانية التي عاشت مع بعضها على مر التاريخ. هذه أمور يحاول العدو أن يخترق من خلالها صف وحدتنا ويزرع بيننا الفرقة والخلاف ويجب أن تقفوا في وجه هذه المؤامرات.

يريد العدو أن تمحى إيران من على وجه البسيطة. يريد العدو أن ينسف سلامة ووحدة الأراضي الإيرانية. يريد العدو أن لا يرى راية الإسلام ترفرف على رؤوس هذا الشعب. ويريد أن يرتقي سدة الحكم أمثال النظام البائد وأعوانه وعملائه. الأعداء المستعمرون ليسوا مستعدين أن يروا شعبنا مستقلاً معتمداً على ذاته ومتوكلاً على اللَّه ومتكئاً على تعاليم الدين الإسلامي، لا يريدون مشاهدة شعب بهذه العظمة ومتحسس لآلام ومتاعب المسلمين في مثل هذه المنطقة الحساسة من العالم.

لقد رأى مرتكبو الجرائم في البوسنة والهرسك ومؤيدوهم تلك التظاهرات العارمة التي خرجتم بها في شوارع طهران والمدن الأخرى تأييداً لمظلومي البوسنة والهرسك. لقد رأوا تلك الجموع المهيبة وقد أفزعتهم قطعاً وقفة الشهب الإيراني بعزم راسخ أمام إحدى القضايا العالمية. لقد كانت هذه التظاهرات مصداقاً لمن يلتزم بالحديث الشريف: "من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم". مصداقاً واضحاً للاهتمام بأمور المسلمين.

لقد التزمتم عملياً بهذا الحديث الشريف بكل ما أوتيتم من حول وقوة فأبديتم اهتمامكم بأمور المسلمين في أوروبا. إن الشعب الإيراني لم يكن يعرف شيئاً عن شعب البوسنة والهرسك. لم يكن شعبنا يعلم ماهية الساكنين في سراييفو ونوع مشاعرهم وأحاسيسهم، لم تكن لنا علاقة بهم إلى أيامنا هذه. ولكن الذي دفع أمتنا إلى هذا العمل العظيم والاهتمام بأمورهم هو فقط الإسلام والأحاسيس الإسلامية والشعور بوجوب مساندة شعب مسلم يقاسي من الظلم. إذ رأى شعبنا أن من اللازم عليه أن ينزل إلى الشوارع فإنه يفعل وعلى شكل حشود مليونية وإذا شعر أن اللازم عليه أن يقدم العون المادي والمالي فإنه سيفعل وإذا أدرك أن عليه أن يقدم على خطوات أكبر بغية إنقاذ إخوانه المسلمين فإن شعبنا سوف يكشف عن صدره ويستعد للمواجهة.


هذا غيض من فيض شعب يؤمن بالوحدة الإسلامية والأخوة الإسلامية، والآن لو فرضنا أن كل الشعوب الإسلامية تصبح هكذا فما الذي سوف يحدث في الدنيا؟ هذه هي نتائج الوحدة الإسلامية.

والوحدة الأعلى من الوحدة بين أعضاء شعب ودولة واحدة هي وحدة الأمة الإسلامية. لو فسح حكام الدول الإسلامية المجال لشعوبهم للتعبير عن رأيهم وإظهار أحاسيسهم تجاه القضايا الدولية ووجهوا حركة شعوبهم فسوف يصلون إلى نفس المستوى الذي وصل إليه الشعب الإيراني. وحينها سترون بأنفسكم ماذا يحصل على الصعيد العالمي. لو كانت هكذا وحدة الشعوب وتضامن موجودة بين الشعوب الإسلامية هل كان الأعداء يجرؤون على القيام بمحاصرة شعب البوسنة والهرسك الأعزل المظلوم بهذه الكيفية؟ وهل كانت المحافل الدولية تجرؤ على تجاهل هذه القضية وعدم اتخاذ رد فعل عملي تجاهها؟ حقاً أن ما يحدث هذه الأيام أمر عجيب. فمع كل دعاواهم بالدفاع عن حقوق الإنسان، عندما تصل النوبة إلى جماعة من المسلمين تصبح هذه الدعاوى قيد النسيان. ما هذا العناد الذي يبديه الأعداء وقوى الاستكبار العالمي للإسلام؟ إنها حرب صليبية يشنونها على الإسلام والمسلمين بحيث يرى الإنسان آثارها ونتائجها في كل مكان. ما هذه المظلومية التي يتعرض لها المسلمون في كل أرجاء العالم وفي كل مكان يتسلط الأعداء فيه عليهم؟ من أي شيء نشأ هذا الوضع؟

لقد نشأ عن وجود الفرقة بين المسلمين والأمة الإسلامية والبلدان الإسلامية. وهذه الفرقة والخلاف من فعل الأعداء. فالدول الإسلامية لا يوجد تضاد مصلحي فيما بينهما. أن التكتل والتجمع مفيد للجميع لا لمجموعة معينة. الدول الإسلامية الكبيرة تستفيد أيضاً من وجود تكتل إسلامي. وكذا تستفيد منه الدول الصغيرة والضعيفة والفقيرة. إن وحدة كهذه في صالح الجميع. فمن الذي يضّر به وجود تكتل من هذا القبيل؟ من الذي يتضرر من اجتماع المسلمين؟ إنها تضر بالقوى التي تريد فرض أغراضها الفاسدة على المسلمين؟ فالفرقة بين المسلمين تعود بالفائدة على القوى المستكبرة كأمريكا وأقطاب السياسة الاستعمارية.

لقد دعونا من أول يوم لانتصار الثورة وإلى الآن جميع البلدان الإسلامية والتكتلات الصغيرة إلى الوحدة. لم نكن نقول تعالوا لنتحد حتى نستفيد نحن من تلك الوحدة. إذا كنا سعينا يوماً ما للمحافظة على الأخوة والصداقة بين البلدان الإسلامية فليس ذلك لأن لشعبنا أو لدولتنا منفعة معينة في تلك الأخوة والصداقة، بل لأجل أن يستفيد من هذا التقارب كل العالم الإسلامي. شعب إيران شعب قوي. وحكومة إيران حكومة راسخة لأنها تتكئ على الشعب. لقد شاهدتم كيف تصرفنا أبان الحرب التي فرضها النظام العراقي علينا ورأيتم ما الذي عمله شعبنا، فإننا لا نهاب هجمات الأعداء، من يستطيع أن يدعي أن أمريكا والناتو لم تدعما العراق خلال ثماني سنوات من الحرب؟ جميع الحقائق آخذة بالاتضاح هذه الأيام. كانوا يعطون العراق السلاح والمال والخرائط الحربية وأخبار الأقمار الصناعية، ويتجسسون له ويقومون بسائر الأعمال الأخرى. والدول العربية الخليجية ساعدت العراق كذلك بسبب خوفها منه. من يستطيع إنكار هذه الحقائق؟ أية دولة تستطيع أن تدعي عدم تقديمها العون للعراق خلال سني الحرب الثمانية؟ ماذا كانت نتيجة هذه المساعدات هل تراجع الشعب الإيراني خطوة واحدة؟ هل شعر شعبنا بالضعف؟ هل ساور الخوف قائد إيران الذي واجه كل العالم المستكبر شامخاً كالطود؟
ألم تشتد العلاقة يوماً بعد يوم بين الشعب والقائد والمسؤولين على أثر هذا العداء الغربي؟ نحن لا نبالي أبداً بهجمات الأعداء.
وعندما ندعو للوحدة فالغرض من ذلك هو أن تنتفع كل الدول والشعوب، أن تنتفع الأمة الإسلامية جمعاء.


أنتم تسمعون هذه الأيام الضجيج المفتعل حول جزيرة "أبو موسى" ما هذه التفوهات ومن الذي يخلقها؟ من الذي لا يدرك دور الأيادي القذرة للاستعمار في هذه الأحداث؟ من الذي لا يرى أيادي القوى المتواجدة في الخليج الفارسي، أيادي أمريكا والمستعمر العجوز النحس "بريطانيا" في هذا الحدث؟ ماذا يريد هؤلاء؟ لماذا يريدون زرع الفتنة بين الأخوة الجيران؟ لماذا يريدون خلق العداء بين الأخوان لأجل تبرير حضورهم في الخليج الفارسي؟ لماذا يحاولون تشتيت الدول الإسلامية بغية القضاء على تضامنها؟ لأنها إذا اتحدت فسوف تصبح قبضة محكمة لا يجرؤ العدو على مواجهتها من هم هؤلاء؟ لا شك أنها القوى الأجنبية. وفي تصورنا أن شيوخ المنطقة إذا كان لهم ذنب في هذا المجال فذنبهم هو الغفلة عن الحقائق. إنهم يميلون بقلوبهم إلى الوحدة والاتفاق.

ووصيتنا لدول الخليج اللافارسي والدول المجاورة هي أن يحددوا العدو ويعرفوه، أن يعرفوا كيد العدو وأياديه، أن يعلموا من الذي يريد بث الخلاف في المنطقة. وأن يدركوا أنهم هم أكبر المتضررين في هذا الخلاف. لقد رأيتم أحداث المنطقة في السنتين أو الثلاث الأخيرة. شاهدتم حصيلة تقديم العون للعراق. وعرفتم أن نتيجة التواجد القوي لأمريكا وبريطانيا والآخرين في المنطقة هو إهانة حكومات وشعوب المنطقة، وهذا هو ما يحصل هذه الأيام. إن العلاج الحاسم لكل هذه المشاكل هو اتحاد الكلمة. أن شعب وحكومة إيران لا يهابان أي أحد. لقد ولدنا في الثورة وكبرنا مع الثورة،

 ونشأنا في جو من العداء خلقه لنا الآخرون. لقد عادانا العالم بالقدر الذي لا يمكن أن يتصور أكثر منه. بحق أي شعب مورس هذا القدر من العداء؟ وعلى رغم كل هذه الخصومات فقد حفظ الشعب الإيراني والثورة والجمهورية الإسلامية إلى الآن وسوف يبقى محفوظاً إلى الأبد بفضل اللَّه سبحانه وتعالى.

إن نداءنا للوحدة الإسلامية أساس لعزة وكرامة واستقرار الجميع. الوحدة أمنيتنا. نحن نتمنى أن يصبح مليار مسلم يداً واحدة حقاً. وكذلك يجب أن تتحرك الدول والحكومات بهذا الاتجاه أيضاً بروحية واحدة وقلب واحد وإن كان الظاهر أن أمراً كهذا لن يحصل قبل ظهور الإمام المهدي أرواحنا فداه الوحدة بين الشعوب والبلدان الإسلامية سبب عزة وقوة المسلمين. فإن عزتكم ورفعتكم أيها الشعب الإيراني كانت رهينة إسلامكم وتضامنكم ووحدتكم الإسلامية.

إن العزة والقوة غير ممكنتين إلا في ظل التقوى والتمسك بالقرآن وعدم الخشية إلا من اللَّه تعالى. ولو راعينا هذه الأمور فإن اللَّه سبحانه سوف يكون ظهيراً لنا سواء كان معنا الآخرون أم لم يكونوا، سنواصل هذا الطريق بفضل اللَّه ونحن على يقين من أن اللَّه معنا وأن عيني صاحب الزمان عجل الله فرجه الشريف ترعيان شعبنا.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

الأربعاء 13 نوفمبر 2019 - 13:26 بتوقيت مكة